يشير مصطلح السَّبَهْلل إلى الشخص الفارغ أو اللاهي الذي يذهب ويجيء في غير شيء، وقد ورد بهذا المعنى في المعاجم القديمة. ويُعدّ هذا المصطلح العربي من أقرب المقابلات الدلالية لمفهوم flâneur الذي صاغه الشاعر الفرنسي شارل بودلير وطوّره الفيلسوف فالتر بنيامين في دراسته للمجتمع المديني الحديث. فالسَّبَهْلل، شأنه شأن flâneur، لا يتحرّك بدافع عملي أو غاية نفعية، بل يتجوّل في المكان العام بدافع التأمّل والإنصات والتلقي الجمالي لما حوله. وهو ليس متشرّدا ولا عاطلا، بل مراقبٌ متأمّل في قلب المدينة الحديثة، ينظر إلى ازدحامها وتحوّلاتها بعين فاحصة تجمع بين الإهمال الظاهر والوعي الباطني العميق. كما أنّ مفهوم السَّبَهْلل يرتبط بعمق بتجربة الإنسان الحديث في مواجهة فضاء المدينة المتغيّر والمفعم بالرموز. ومن ثمّ فإنّ استعمال هذا اللفظ العربي القديم يعيد إحياء كلمة ذات أصالة لغوية ودقّة تصويرية قادرة على احتواء الأبعاد النفسية والجمالية والفلسفية لمفهوم مصطلح flâneur من دون أن تنزلق إلى الدلالات السلبية التي ارتبطت بكلمة المتسكّع في العربية المعاصرة.
يُعدّ مفهوم السبهلل flâneur أحد المفاهيم المحورية التي صاغها وطوّرها الفيلسوف والتر بنيامين Walter Benjamin في دراساته النقدية للمجتمع المديني الحديث، لاسيّما في عمله غير المكتمل مشروع الممرات the arcades project لا يمثّل السبهلل مجرّد شخص يمشي، بل هو شخصية منهجية لتأويل (قراءة) المدينة الحديثة في عصر الرَّسْمالِيّة. السَّبَهْلل هو أَوْمط مديني urban archetype ظهر في القرن التاسع عشر في المدن الأوروبية الكبرى، وبشكل خاص في باريس (عاصمة القرن التاسع عشر). إنّه الرجل المتأنّق والفارغ الذي يمشي بلا هدف محدّد في شوارع المدينة وصالاتها التجارية المغطاة (الممرات القوسية)، إذ يقوم برحلاته الاستكشافية بوصفه مراقبا متفحّصا:
• المراقبة والوحدة : السبهلل هو الراوي الذي يجمع قصص المدينة ويُحلّلها، وهو غريب في وطنه. يتجسّد فيه التوتّر بين الشعور بالوحدة وسط الحشود الهائلة، وبين القدرة على الاندماج المتخفِّي فيها؛
• المدينة كمنظر طبيعي داخلي : بالنسبة للسبهلل، تتحوّل شوارع المدينة وزحامها إلى مساحة للتأمل a space for contemplation، إذ يستوعب إيقاع المدينة ويحوّله إلى تجربة شخصية داخلية؛
• الخمول الاحتجاجي : في مجتمع يُقدِّس الإنتاجية والعمل، يُعدّ خمول السبهلل احتجاجا على إيقاع الحياة الرَّسْمالي القائم على السرعة. حركته البطيئة هي رفض ضمني للإنتاج من أجل الإنتاج.
طوّر بنيامين المفهوم لوصف تأثيرات الرَّسْمالِيّة والتحوّل الحضري على الفرد:
• الممرّات : كانت الممرات الزجاجية المغطّاة المشار إليها في مشروع الممرّات arcades project، هي الموطن الأمثل للسبهلل. إذ كانت تمثّل عالما مصغّرا يجمع بين متعة التسوّق (البضائع السلعية) والتأمّل المعماري، قبل أن تنتقل التجارة إلى الشوارع الكبرى؛
• السلعة والشعور بالدهشة : السبهلل هو الشخص الذي يواجه السلعة commodity في أماكن العرض، ويختبر شعورا بالدهشة marvel تجاه الأشياء المعروضة، وهو ما يُبرز القيمة الجمالية للسلعة قبل تآكلها بفعل الاستهلاك السريع؛
• اختفاء السبهلل : يرى بنيامين أنّ عصر التسوق السريع والحياة الحضرية المُسرَّعة التي رمز لها الشاعر شارل بودلير أدّى إلى اختفاء السبهلل الأصيل. وحلّ محلّه المستهلك المندفع، إذ لم يعد هناك مكان للمشاهدة المتأنّية والاستكشاف العميق في المشهد المديني الحديث.
باختصار، السبهلل عند بنيامين هو شخصية تاريخية نقدية استخدمها لتحليل العلاقة المعقّدة بين الوعي الفردي والتجربة الجمالية وواقع التحوّلات الرَّسْمالية في قلب المدينة الحديثة.