يعكس مصطلح البناء الاجتماعي للواقع ثلاثة مبادئ جوهرية في علم الاجتماع الحديث، وهي تشكّل معا الأساس الذي ينطلق منه عالِم الاجتماع الغربي في تحليل الظواهر الاجتماعية.
• المبدأ الأوّل – الظواهر الاجتماعية من صنع البشر وليس من صنع الإله : إنّ العالَم يمكن أن يُفهم من دون الحاجة إلى إرجاعه إلى الإرادة الإلهية... الثقافة هي بناء اجتماعي. يقوم هذا المبدأ على فكرة العقلانية الحديثة التي ترسّخت منذ عصر الأنوار enlightenment، وتقوم على فصل الدين عن تفسير الواقع الاجتماعي، والاعتماد بدلا من ذلك على العقل والعلم والملاحظة. فبحسب هذا المبدأ، المجتمع والثقافة والقوانين والعادات ليست ناتجة عن أوامر إلهية مباشرة، وإنّما هي نتيجة تفاعلات البشر، إرادية أحيانا ولا إرادية أحيانا أخرى. مثال ذلك: نظام التصويت البرلماني أو رَناة الواقع —لا أحد يدّعي أنّ الله أمر بتلك الأشياء، بل نشأت تاريخيا بفعل اختيارات البشر. البديل الوحيد الذي يعترف به علم الاجتماع الغربي بشكل صريح لهذا المبدأ هو الضرورة الحِياوية biological necessity، أي الأمور التي تفرضها الحِياوة: مثل أنّنا نأكل لأنّنا سنموت إن لم نفعل ذلك، لا لأنّ المجتمع علّمنا أن نأكل. يتضمّن هذا المبدأ أيضا نزعة الوَضْعانِيّة positivism التي أسّس لها أوغست كونت، إذ يتمّ التعامل مع المجتمع كما يُتعامل مع الظواهر الطبيعية. من حيث القوانين والأسباب والنتائج، من دون حاجة لمرجعية غيبية. من الناحية النقدية، تجاهل هذا المبدأ دور الدين في تكوين الوعي الاجتماعي، وقد يكون تبسيطا مفرطا، لاسيّما في مجتمعات ما يزال الدين فيها فاعلا أساسيا. ثمّ إنّ هناك من يرى أنّ هذا الفصل يعكس نزعة غربية علمانية لا تنطبق عالميا.
• المبدأ الثاني – التكوين الاجتماعي للذات : كثير ممّا نحن عليه وما نفعله هو نتيجة للتأثيرات الاجتماعية... شخصيتنا ليست نتاج خلق ذاتي تام. يرتكز هذا المبدأ على أنّ الذات self هي بناء اجتماعي، لا فردي، وأنّ ما نعتبره ميولا وذوقا شخصيا، هو في الحقيقة ناتج عن التنشئة الاجتماعية والثقافية socialization فذوقك في الطعام أو في اللباس، أو حتّى في الأخلاق، ليس فطريا بقدر ما هو مكتسب من محيطك. المثال الوارد في النصّ كان ساخرا لكنّه دقيق: أنا أجد فكرة الرُّضاب بدم الرنّة مقزّزة، لأنني لم أُولد في سيبيريا الشمالية، أي أن الاشمئزاز نفسه شعور مُتعلّم ثقافيا. البديل هنا لهذا المبدأ، هو أنّ خصائصنا وسلوكاتنا نابعة من فطرة ثابتة أو جوهر فردي مستقلّ عن المجتمع. وهذا الموقف أقرب إلى الفردانية الجوهرية essentialist individualism التي تفترض أنّ كلّ إنسان فريد من نوعه بذاته، وليس فقط بسبب بيئته. من الناحية النقدية، يحفّز هذا المبدأ على فهم عميق لتأثير المجتمع على تشكيل الأفراد، ولكنّه أحيانا يُغفل حرّية الإرادة. وقد يؤدّي إلى الحتمية الثقافية، أي الاعتقاد بأنّ الفرد أسير لثقافته ولا يمكنه الخروج منها، وهو أمر قد يَحُدّ من القدرة على النقد والتغيير.
• المبدأ الثالث – لا وجود لواقع مستقلّ عن وعينا، في أبعاده الاجتماعية: هذا المعنى هو الأكثر تطرّفا... وهو القول بأنّه لا توجد حقيقة صلبة مستقلةّ عمّا نعتقده... أو حتّى إنّ وُجدت فهي غير مهمّة اجتماعيا لأنّنا نصنع واقعنا بأنفسنا. هذا المبدأ يمثل النزعة البنائية constructivism بأقصى حدودها. فهو لا يكتفي بالقول إنّنا نفسّر الواقع من خلال ثقافتنا، بل يقول إنّ الواقع نفسه ليس له وجود صلب خارج الطريقة التي نفهمه بها. وهذا يُقارب بعض أفكار البَحْدَثِيَّة postmodernism، لا يعني هذا إنكار وجود العالم أو المادّة، بل يعني أنّ ما يهمّ علم الاجتماع هو الواقع الذي يصنعه الناس في أذهانهم، لأنّه هو الذي يحرّك سلوكهم، وليس الواقع الموضوعي في حدّ ذاته. مثال ذلك: إن كان قادة أمريكا في 2003 يعتقدون أنّ العراقيين سيرّحبون بالغزو، فذلك يكفي لتفسير سلوكهم —سواء أكان هذا الاعتقاد صحيحا أو لا. لكن، لفهم فشلهم لاحقا، لا بدّ أن نرجع للواقع الفعلي الذي كذّب توقّعاتهم. أغلب علماء الاجتماع يقبلون بهذا المبدأ جزئيا. أيّ أنّهم يرون أنّ الواقع الاجتماعي يُبنى ذهنيا، ولكن تظلّ هناك حدود يفرضها الواقع الموضوعي (مثل الاقتصاد، العنف، الطبيعة...). من الناحية النقدية لهذا المبدأ، قد يُفضي إلى نِسْبانية مفرطة relativism، إذ يصعب تمييز الحقيقة من الوهم. بعض الباحثين يستعملونه لنفي الحقيقة العلمية نفسها، وهو ما أدّى إلى حروب العلوم بين علماء الاجتماع والعلماء الطبيعيين.
أ- نقد المبدأ الأول من منظور إسلامي : العالم قابل للفهم من دون إرجاعه إلى أصلٍ إلهيّ مباشر.
المبدأ الأول في علم الاجتماع الحديث –كما طرحه أوغست كونت وكرّسه لاحقا دوركايم – يقول إنّ: الظواهر الاجتماعية يجب أن تُدرس باعتبارها أشياء، أي كما تُدرس الظواهر الطبيعية، من دون إرجاعها إلى الإرادة الإلهية أو الغيب. بمعنى آخر، فصل البعد الإلهي عن تفسير الظواهر الاجتماعية، تماما كما حدث في العلوم الطبيعية. في اللاهوت المسيحي، لا سيّما منذ القرون الوسطى، كانت النظرة السائدة للعالم قائمة على فكرة أنّ: كلّ ما يحدث في العالم، يحدث بإرادة الله المباشرة. والظواهر الطبيعية والاجتماعية تُفهم على أنّها تجلّيات للإرادة الإلهية، سواء كانت خيرا أو شرّا. كما أنّ الكوارث، والأوبئة، والحروب، والمجاعات... كلّها يُمكن تفسيرها بأنّها عقاب إلهي على الخطيئة. حتى تنظيم المجتمع –السلطة، الطبقات، الفقر، الثروة– كانت تُفهم في ضوء القدر الإلهي، أي أنّ ما يقع هو جزء من تدبير إلهي لا يُسأل عنه الإنسان. باختصار: كانت النظرة المسيحية للعالم مقدَّسة بالكامل، ولا مجال فيها للفصل بين الديني والاجتماعي أو الطبيعي.
نشأ علم الاجتماع الحديث بعد عصر الأنوار، وهو عصر بدأ فيه المفكّرون الأوروبيون ينتقدون السلطة الدينية واللاهوت الكنسي، لاسيّما بسبب: تحكم الكنيسة في التفسير العلمي والاجتماعي، ومنعها للبحث الحرّ، وربطها كلّ ما يحدث في العالم بالإرادة الإلهية. فجاء مفكرو الأنوار –مثل ديكارت، سبينوزا، فولتير، روسو– ليقولوا إنّ العالم يمكن أن يُفهم عبر العقل والقوانين الطبيعية من دون الحاجة إلى الغيب. ثم جاء أوغست كونت في القرن التاسع عشر ليقول: لقد مرّ الفكر الإنساني بثلاث مراحل:
- 1- المرحلة اللاهوتية : كل شيء يُفسَّر بالإله؛
- 2- المرحلة الغيبيائية : تُفسَّر الظواهر بقوى مجرّدة كالطبيعة أو العدالة؛
- 3- المرحلة العلمية الوَضعانيّة : تُفسَّر الظواهر بقوانين يمكن ملاحظتها واختبارها.
فهو يدعو إلى قَطع العلاقة بين علم الاجتماع والدين، لأنّ الدين، في نظره، يُقدّم تفسيرات غير قابلة للتحقيق التجريبي. وإذا كانت المسيحية لا سيما الوسيطية، ترى أنّ كلّ ما يحدث في الطبيعة والمجتمع هو إرادة الله المباشرة، ففي الفكر الوَضعاني، ما يحدث هو نتيجة لقوانين طبيعية واجتماعية مستقلّة عن أي إرادة غيبية. لذلك، فإنّ المبدأ في علم الاجتماع الحديث –الذي ينصّ على فصل الظواهر الاجتماعية عن الإرادة الإلهية– جاء كنقد مباشر للفهم الكنسي المسيحي، لا سيما في سياق التمرّد الأوروبي على الكنيسة وسلطتها الفكرية والعلمية.
الإسلام، لا يرى تعارضا بين السنن الكونية وحرّية الإنسان وبين الإرادة الإلهية. فالإرادة الإلهية في الإسلام لا تُبطِل القانون بل تعمل من خلاله. والمجتمع يُفهم في ضوء جدلية: الكون\ الإنسان\ الغيب، لا بغياب أحدها. ولذلك فإنّ المبدأ الذي جاء عند كونت أو دوركايم كنقد للمسيحية، لا يُعتبر نقدا أو تجاوزا للإسلام، لأنّ الإسلام لم يفترض في الأصل أنّ كل شيء يجري بإرادة الله المباشرة بشكل مستمرّ يعطّل قوانين العالم، بل العكس: جعل القانون تعبيرا عن إرادة الله.
إنّ الله لا يستلب الطبيعة، بعبارة أخرى إنّ إرادة الله لا تأتي لتُعطِّل قوانين الكون، ولا لتفرض عليها مسارا استثنائيّا منفصلا عنها، بل إنّ هذه الإرادة الإلهية تتحقّق عبر هذه القوانين نفسها، وبها، لا بإلغائها. فالقوانين التي تسير بها حركة الكون ليست عائقا أمام مشيئة الله، بل هي وجه من أوجه تجلّيها. يقول تعالى: إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (يس 82)، فكلمة «يكون» هنا ليست تفجيرا لحظيا ولا فوضى وجودية، بل هي إعلان لبدء تحقّق مشيئةٍ تسلك طريقها في الزمان والمكان، ضمن بِنْية النظام الذي وضعه الله للوجود يوم خلقه. ويظهر هذا بوضوح في قصة ناقة صالح عليه السلام، حين قال تعالى على لسانه: «فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسّوها بسوءٍ فيأخذكم عذاب قريب». ثم قال: «فعقروها فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام ذلك وعد غير مكذوب»، «فلمّا جاء أمرنا نجيّنا صالحا والذين آمنوا معه برحْمةٍ منّا ومن خِزْيِ يومئذٍ إنّ ربّك هو القويُّ العزيز» (هود 64–66)، إنّ العذاب الذي نزل بهم لم يأتِ لحظيّا لحظة عقرهم الناقة، بل بعد مهلة، وبعد تشيؤٍ زمانيّ ومكانيّ، حتى أصبح هذا العذاب ذاته جزءا من النظام الطبيعي، يمكن أن يُقرأ –عند من ينكر الغيب– بوصفه كارثةً بيئية أو زلزالية، لكنّها في الحقيقة نتيجة لإرادةٍ غيبية تجسّدت في ظاهرةٍ كونية. ونجاة صالح والمؤمنين معه لم تكن عبر يد خفية خارقة تمسك بهم وتنتشلهم، بل كانت –كما وصفها القرآن– «برحمةٍ منّا»، والرحمة هنا لا تعني فقط العطف، بل هي تدبير ضمني، يسري في نظام الأشياء، ليُمهّد لهم طريق الخلاص. فالإرادة الإلهية لا تخرق قانون السبب، بل تَسْكُنه. وما رميتَ إذ رميت ولكنّ الله رمى، فالقانون جارٍ: النبي رمى، والسهم انطلق، لكن الإرادة الإلهية هي التي سكنت هذا الرمي، وأحدثت به الأثر المعجزي، تماما كما سكنت من قبل ضربة موسى، فالعصا ضربت والبحر انفلق والمعجزة حدثت فكان كل فرق كالطود العظيم.
وهنا يتجلّى قصور الفكر الوضعاني الحديث؛ فحين يدرس الظواهر، لا يرى منها سوى بُعدَيها الطبيعي والإنساني، ويغفل البعد الغيبي، لأنّ أدواته لا تَنفذ إليه. ولذلك، تبدو قراءته للأحداث صحيحة لكنها ناقصة؛ يعرف الكيف ولا يدرك لِماذا. يرى الزلزال ويحسب درجاته، لكنّه لا يسمع صوت التحذير الإلهي الذي سَكَنَه. إنّ انتظام القانون في نظر الفكر الوضعاني هو غيابٌ للإله، أمّا في الرؤية الإسلامية، فهو دليل على حضوره. لا لأنّه يتدخّل خارج القوانين، بل لأنّه هو واضعها، وحاكم بها، لا عليها. وهكذا، يكون القانون الطبيعي في ذاته تجلٍّ من تجلّيات الإرادة الإلهية، وليس حاجزا يحول دونها.
- • الفصل بين الظواهر الاجتماعية والإرادة الإلهية في علم الاجتماع الحديث هو ردّ فعل على اللاهوت المسيحي الكنسي الذي كان يرى كلّ شيء مقدّسا ومحكوما بالإرادة الإلهية المباشرة؛
- • نفاذ السنن لا يعني غياب القدرة الإلهية، وجريانها على وجهها هو دليل إحكام القدرة وضبطها وليس تعطّلها. إنّ خطأ الفكر الوضعاني هو ظنّه أنّ انتظام القوانين دليل على خروج الإله من التاريخ، في حين أنّ انتظامها هو وجهٌ من أوجه حكمته في إدارة الكون، لا نقيضا لها.
- • فكرة المبدأ الأوّل في علم الاجتماع الحديث، لا تتعارض بالضرورة مع الفهم الإسلامي، لأنّ الإسلام يُقرّ بوجود سنن وقوانين، لكنّه يرى أنّ هذه القوانين نفسها هي مظهر من مظاهر الإرادة الإلهية، وليست نقيضا لها؛ لذلك، يمكن للمفكّر المسلم أن يستفيد من تحليل علم الاجتماع الحديث، من دون أن يفصل بين الطبيعة والغيب والإنسان.
ب- نقد المبدأ الثاني من منظور إسلامي : الظواهر الاجتماعية من صُنع الإنسان ولا تستند إلى أصل فطري.
في نقد المبدأ الأوّل في علم الاجتماع الحديث، الذي يقرّر بأن الظواهر الثقافية والاجتماعية هي من صُنع الإنسان وحده ولا تستند إلى أصل فطري أو فوقي، تظهر إشكالية فلسفية وأخلاقية عميقة تُعنى بمصدر القيم والسلوك البشري: هل المجتمع يُبنى فقط من خلال التفاعل الاجتماعي، أم أنّ هناك فطرة إنسانية مشتركة تسبق المجتمع وتوجّهه؟ علم الاجتماع الكلاسيكي، لاسيّما في التيارات الوَضْعانيّة والبنائية، يميل إلى التركيز على ما هو مكتسب لا على ما هو فطري، لأسباب منهجية وفلسفية:
• السبب المنهجي – علم الاجتماع وُلد في القرن 19 كمحاولة لفهم المجتمع بمعزل عن التفسيرات الدينية أو الفلسفية أو الغيبيائية. فأراد أن يفسّر الظواهر الاجتماعية من داخل المجتمع نفسه، عبر القوانين والعلاقات الاجتماعية، وليس عبر الطبيعة البشرية أو الإرادة الإلهية. مثال: دوركايم كان يقول إنّ الجريمة موجودة في كلّ المجتمعات، إذا هي ظاهرة طبيعية اجتماعيا، ويجب دراستها كجزء من التنظيم الاجتماعي، لا باعتبارها مجرّد انحراف عن فطرة الخير.
• السبب التجريبي – ما نعدّه فطريا مثل تحريم القتل ليس مطبّقا بالطريقة نفسها في كل المجتمعات. بعض المجتمعات تبيح القتل في حالات الشرف، أو الثأر، أو الطقوس القبلية. قد يُعدّ الكذب مثلا فضيلة إذا كان لخدمة المجموعة (كما في كثير من مجتمعات الحروب أو البدو). إذا، ما يُفترض أنّه فطرة قد يكون بالأحرى نموذجا ثقافيا عامّا ولكن بصيغ اجتماعية متعدّدة.
لكنه بهذا التوجّه غفل عن أن هذا التنوّع لا ينفي وجود نواة قِيَمية مشتركة، بل يعكس اختلاف طرق التعبير عنها. فعلى سبيل المثال، تحريم القتل يبدو قيمة فطرية راسخة، ولكن تطبيقاته قد تتباين بحسب السياق الاجتماعي، من القصاص العادل إلى الثأر الجاهلي، غير أن هذا لا ينقض أصل الفكرة، بل يؤكّد الحاجة إلى فهمها كقاعدة فطرية تُفَعَّل بعدل، لا تُلغى بفوضى.
الفطرة، من المنظور الإسلامي، ليست بديلا عن الشرع أو عن التجربة، لكنها استعداد جِبِلّي مغروس في الإنسان، يُمكّنه من تمييز الخير من الشر والمصلحة من المفسدة، فيبتدر المنجّيات ويتجنّب المُهلكات. وقد عبّر العز بن عبد السلام عن هذه الحقيقة بوضوح في كتابه القيّم «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»: إنّ الله قد فطر عباده على معرفة معظم المصالح الدنيوية ليُحصِّلوها، وعلى معرفة معظم المفاسد الدنيوية ليتركوها. وقال أيضا: سعي الناس كلّهم في جلب الأفراح واللذّات وفي درء الغموم الملمّات، فمنهم من يطلب الأعلى من ذلك فالأعلى وقليل ما هم، ومنهم من يقتصر على طلب الأدنى، ومنهم الساعون في المتوسّطات، والقدر من وراء سعي السعادة، وكلّ متسبّب في مطلوبه. وفي قول ثالث، أكّد أنّ: الطباع مجبولة على معرفة بالصالح والأصلح، والفاسد والأفسد. وهو ما يجعل من الفطرة أساسا لا يمكن تجاهله في فهم السلوك الإنساني. كذلك تشير التجارب المعرفية الحديثة، ومنها ما أُجري على الحيوانات، إلى وجود شعور فطري بالعدل، كما في تجربة القردين اللذين أُعطيا مكافآت غير متساوية، ما أثار ردّ فعل غاضب من القرد المُجحَف في حقه. فإذا كانت هذه المشاعر موجودة في الحيوان، فكيف تُنفى عن الإنسان؟
لذلك فالافتراض في الفطرة أن بعض القيم الإنسانية متأصّلة في النفس البشرية، مثل حبّ العدل، ونفور النفس من الظلم، وحبّ المعروف. إذا كانت هذه القيم سابقة على الاجتماع، فهي ليست مجرّد منتج بشري متغيّر حسب المجتمع، بل هي دليل على وجود أساس كوني أو فوق اجتماعي في بناء السلوك. مثال: الطفل ينزعج من الظلم حتّى قبل أن يُعلّمه المجتمع ذلك، وهذا يُشير إلى أنّ العدالة فطرية لا مكتسبة بالكامل. والفطرة هنا تنتقد هذا المبدأ مباشرة، لأن الفطرة تُثبت وجود محتوى قيمي إنساني مشترك ليس ناتجا عن المجتمع، بل يسبق المجتمع ويوجّهه.
وهذا ما تدعّمه العلوم المعرفية، كما دعّم التيار التكاملي integrative أو النموذج الهجين hybrid model هذه الفكرة في علم الاجتماع المعاصر، الذي يرى أنّ هناك أساسا فطريا لبعض السلوكات، مثل التعاون، والميل للعدالة، والخوف من الظلم، والاشمئزاز من الخيانة... وهذه أُسُس حِياوية ونفسية مشتركة بين البشر، لكنه يرى أنّ هذه الاستعدادات تُشكَّل اجتماعيّا من خلال الرموز والتقاليد والسياقات الثقافية المختلفة. يرى النقد الأخلاقي، أنّ إنكار وجود فطرة أخلاقية، يجعل من الصعب نقد الظلم أو العنصرية أو الاستبداد، فكثير من المفكّرين يقولون: لو أنّ كلّ شيء اجتماعي فقط، فكيف نعرف أنّ العبودية أو التمييز العنصري كانت شرّا، إذا كانت مجتمعات ما تراها حقّا مشروعا؟ ومن ثمّ، فإنّ إنكار وجود فطرة أخلاقية مشتركة يُضعف قدرة علم الاجتماع على نقد الظلم والاستبداد، لأنّ قبول كلّ القيم على أنها اجتماعية فقط يُفضي إلى نِسْبانية أخلاقية مُفرطة، تجعل من العسير تبرير الرفض الأخلاقي لإهدار كرامة الإنسان، ما دامت تلك الممارسات وُلدت ضمن سياقات اجتماعية مخصوصة. ولهذا السبب، نجد في التراث الإسلامي تفريقا دقيقا بين الأصل الفطري للقيم وبين أشكال تجسيدها، كما عند ابن خلدون الذي فرّق بين الطبع الذي يأنف من الظلم، وبين العادة السلطانية التي قد تُبرّر الاستبداد، وكذلك يرى الماوردي في الأحكام السلطانية أنّ القصاص والعدل يقومان على فطرة الخوف من الظلم ومحبّة الإنصاف. أمّا ابن تيمية، فقد قرن الفطرة بالشريعة، إذ يقول: العدل مأمور به على كلّ حال، وهو ميزان الله في الأرض.
تحريم القتل فطري بمعنى أنّ النفس تنفر منه في أصلها. هذه قاعدة فطرية مغروسة في الضمير الإنساني، وهي سابقة لكلّ تنظيم اجتماعي. لكنّ القصاص (القتل العادل للمجرم) لا يُعدّ نقضا لهذا التحريم، بل يُفهم في إطار تحقيق العدل. إذا، القاعدة الفطرية (تحريم القتل) لا تُلغى عندما يُقتل القاتل، بل تُفَعَّل على مستوى أعلى، وهو استعادة التوازن الأخلاقي الذي كُسِر. هناك بعض الاجتماعيين يخلطون بين وجود استثناءات للقاعدة وبين نسبيتها. فيقولون مثلا: هناك مجتمعات تمارس القتل لأسباب قبلية أو طقسية، إذا تحريم القتل ليس فطريا بل اجتماعي. لكن هذا خلط منطقي. لأنّنا حين نفهم أنّ العدالة مبدأ أعلى يحكم تفاصيل الأحكام، ندرك أن:
- • المجتمع الذي يقتل الأبرياء بلا مبرّر صحيح وعادل = يخالف الفطرة؛
- • المجتمع الذي يعاقب القاتل بالقصاص = يُفعّل الفطرة عبر العدالة؛
- • المجتمع الذي يبرّر القتل لأسباب تمييزية (جنس، عرق...) = ينحرف عن الفطرة.
بدل أن يفترض علم الاجتماع أن القيم كلّها بُنيت اجتماعيا، يمكنه أن يميّز بين:
- • القاعدة الفطرية العامّة – مثل تحريم القتل، حبّ الخير، العدل، الصدق...؛
- • الصيغة الاجتماعية التطبيقية – كيف يعبّر كلّ مجتمع عن هذه القاعدة؟ ما حدوده؟ ما مؤسّساته؟
إذن الفهم الصحيح يقتضي التمييز بين القاعدة الفطرية المشتركة (مثل حبّ العدل، ونفور النفس من الظلم، وتعظيم المعروف) وبين الصيغة الاجتماعية التي تُترجم هذه القواعد، وهي ما تختلف فيه المجتمعات. بهذا الفهم المركّب يُمكّن علم الاجتماع من أن يكون أكثر واقعية، وعدلا، واتساقا مع الطبيعة الإنسانية، من دون أن يقع في النِّسْبانية المطلقة أو في الغفلة عن الأصل الفوقي للقيم. باختصار، لا يمكن حصر المجتمع في بُعده الاجتماعي فقط، من دون الاعتراف بما في الإنسان من استعدادات فطرية تسبق الاجتماع وتؤسّسه وتوجّهه. الفطرة ليست وهما، بل حقيقة إنسانية تشهد لها التجربة والعقل والنصّ، وإنّ إنكارها يعني التنازل عن القدرة على تمييز الخير من الشر في أي سياق، وهو ما لا يقبله العقلاء.
ختاما، فعلى الرغم من دقّة منهجية علم الاجتماع الحديث وثراء أدواته، يُعاني من نقص فلسفي حين يُقصي البعد الغيبي من تفسيره للظواهر الاجتماعية. وهو بذلك، وإنّ قدّم تحليلات صحيحة، إلّا أنّها تبقى غير مكتملة، لأنّها تستبعد أحد الأبعاد الأساسية التي تُشكّل الاجتماع الإنساني في عمقه: بعد الإيمان، والفطرة، والغائية. إنّ رؤية الإسلام للعالم –بما تحتويه من جدلية الغيب والطبيعة والإنسان– تُتيح إمكان تطوير علم اجتماع جديد، لا يُنكر القوانين، ولا يهمّش الإرادة، بل يُوازن بين القَدَر والحرية، بين القانون والغيب، بين العقل والإيمان. وعلى الرغم من أنّ القوانين الكونية والاجتماعية تسير على وتيرة واحدة لا تميّز بين مؤمن وكافر، فإنّ هذا الانتظام لا يعني غياب الإرادة الإلهية، بل هو تجلٍ من تجلياتها. ثمّ إنّ الفطرة كميفاق مضمَر في تكوين الاجتماع على الرغم من أن علم الاجتماع الحديث لا يعترف بالفطرة كعنصر مفسّر للظواهر الاجتماعية، إلا أنّ وجود ميول أخلاقية مشتركة بين البشر، ووجود قيم تتكرّر في كل المجتمعات –كالعدل، والصدق، والتكافل– يُشير إلى أنّ الفطرة، وإن لم تكن مصطلحا علميا، إلّا أنّها ميفاق إناسي عميق في تكوين الاجتماع البشري. الجريمة، مثلا، وُجدت في كلّ المجتمعات، كما أقرّ دوركايم، لكنّ إدانتنا لها أيضا موجودة في كل المجتمعات، وهذه الإدانة هي نفسها نابعة من الفطرة، حتى وإن لم يقرّها المنهج الوضعاني.
- الكاتب : خضير شعبان
- التاريخ : 11\10\1446 الموافق له 09\04\2025