الإخْوَة بَرْبَرُوس، هم الإخوة الذين أسّسوا الدول البربروسية في شمال إفريقيا، في ليبيا وتونس والجزائر، وهذا الاسم: الدول البربروسية لا ينطبق إلا على هذه الدول الثلاثة، حيث إنّ الرباط أو المغرب الأقصى لم يشمله الحكم التركي، أو الحكم العثماني أو التأثير العثماني أو النفوذ العثماني الروحي، وهذه الدول التي أسسّها هؤلاء الأخوة لم تكن تركية، ولم تكن مجرّد قِيالات régence عثمانية، وكلّ ما كان هناك إنّما هو نفوذ روحي فقط لاستنبول عليها، ففيما يخصّ الجزائر بالذات نجد أنّ جميع العلاقات التي أقامتها، والمفاوضات التي أجرتها، والمعاهدات التي عقدتها، كانت باسمها ومباشرة ومن دون وساطة إستنبول ولا رجوع إليها، وجملة الوثائق والاتفاقات والمعاهدات التي عقدت بين الجزائر وفرنسا كانت باسم الجزائريين، ولم يكن فيها ذكر لتركيا ولا للدولة العثمانية، باستثناء معاهدة شاتيلرو الثلاثية. وتبقى هذه التسمية مقتصرة على عهد هذه الدولة التي أنشأها الإخوة بربروس، أي ابتداء من استقرارهم في الجزائر العاصمة سنة 1516م إلى الغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830م، وتونس سنة 1881م، والإيطالي لليبيا سنة 1911م.
الإخوة بربروس أربعة، هم: عَرُّوج أو عَرُوج، وخير الدين، وإسحاق، ومحمّد إلياس، مسلمون. سواء أكانوا من عائلة تركية مسلمة مستقرّة في مدينة مدلين (لسبوس Lesbos القديمة) في الأرخبيل اليوناني، وأمّهم أندلسية حسبما ذكره الأستاذ أحمد توفيق المدني في كتابه: حرب الثلاثمئة سنة، أو كان أبوهم يعقوب بن يوسف يونانيا أسلم، وأمّهم مسيحية ظلّت على دينها كما يقول غاروت Garrot الذي يضيف أنّ أباهم الذي كان جنديا روميا أسلم في الجيش العثماني عندما انتزع الخليفة العثماني محمّد الثاني من الجنويين وفرسان رودس سنة 1457م مدينة مدلين Mitylène في الأرخبيل اليوناني، بقي في قرية بونافا Bonava يشتغل خزّافا بعد أن انسحب من الجيش. وتزوّج بأرملة قسّيس اسمها كاتالينا Catalina بقيت على دينها، وكان لها ستّة أولاد، بنتان تبعتا دين أمّهما المسيحية، أصبحت إحداهما راهبة في دير، وأربعة أبناء تبعوا دين أبيهم المسلم. أكبرهم إسحاق، وكان سقّافا، وعرّوج بحّارا وخسرو (خير الدين فيما بعد) خزّافا مثل أبيه، ومحمّد إلياس طالبا محفّظا للقرآن.
في سنة 1477م بدأ عَرّوج كما يسمّيه الجزائريون ركوب البحر، وكان وقتئذٍ في العاشرة من عمره، وأخذ يصارع المسيحيين في البحر، وقد نجا مرّتين من الأسر، وفي الأسر أعطوه اسم بربروس barba russa للحيته الزعراء، ثم اُطلق هذا الاسم على خير الدين عند توليه قيادة البحرية بعد وفاة عرّوج، ففي المرّة الأولى أسره فرسان القدّيس يوحنا في جزيرة رودس أثناء قيامه بمهمّة تجارية. ثمّ بيع لاحقا كعبد، وقضى فترة في الأسر قبل أن يتمكّن من الهروب. وَفْقا للمصادر، استطاع عرّوج الفرار من الأسر بفضل دهائه وشجاعته. بعض الروايات تفيد بأنّه ألقى بنفسه في البحر وسبح، ثم استولى على سفينة صغيرة وهرب إلى إيطاليا ثم إلى مصر، حيث حصل على دعم السلطان قنصوه الغوري لقيادة حملة بحرية واستئناف نشاطه الجهادي. وفي المرّة الثانية وقع عرّوج في الأسر مجدّدا عندما كان في عرض البحر أثناء اشتباك مع قوّات إسبانية. في هذه الحادثة، اُحتجز في إحدى القلاع الإسبانية لفترة. يُذكر أنّ تحريره في المرة الثانية جاء بفضل فدية قدّمها أخوه خير الدين.
استقرّ أوّل الأمر في جربة سنة 1502م، حيث انضمّ إليه أخوه خسرو (خير الدين)، ثمّ التحق بهما أخواهما إسحاق ومحمّد إلياس. ومهما كان أصلهم فقد كانوا مسلمين ومجاهدين، كما يعترف بذلك المؤرّخون الأوروبيون (غاليبيرت Galibert، وغاروت Garrot)، وقد استشهد ثلاثة منهم على أديم الجزائر في مصارعة الإسبان: إسحاق في بجاية، ومحمّد إلياس في تلمسان، وعرّوج في بني زناسن، وأنقذوا مئات الآلاف من الأندلسيين. كان بدء اِتّصالهم بالجزائر عندما دعا سكّان بجاية سنة 1510م عرّوجا وخير الدين، المتمركزين إذ ذاك في حلق الوادي في تونس، التي كانا قد حلّا بها سنة 1504م في أواخر العهد الحفصي، وبدآ في بجاية نشاطهما البحري في البحر المتوسّط، لمساعدة أهلها على دفع المدّ الصليبي الإسباني عنها وجيجل.
وبعد أن فشلا مرّتين في طرد الإسبان، وفقد عرّوج أحد ذراعيه، استقرّا في جيجل مؤقّتا، وأخذا يصارعان الإسبان، وينقذان كثيرا من الأندلسيين من الشواطئ الأندلسية، قبل طردهم نهائيا سنة 1610م بقرار من فيليب الثالث ملك إسبانيا. يوم 22 مارس 1609م الذي أعطاهم ثلاثة أيّام، بالنسبة لمن لم يرتدّ منهم، وأخذ الإخوان عرّوج وخير الدين في مصارعة الإسبان والبرتغاليين. وإذا كان عرّوج قد ركّز جهوده على الجزائر، فإنّ خير الدين قد تفرّغ أوّل الأمر لإنقاذ الأندلسيين من شواطئ شرق الأندلس غاديا ورائحا. وفي سنة واحدة فقط (1529م) أنقذ سبعين ألف أندلسي إلى الجزائر. (ش. أ. جوليان: تاريخ شمال إفريقيا). ومن هنا اسمه: فعوض خسرو، الذي سُمّي به عند الولادة، أصبح يُسمّى خير الدين (أحمد توفيق المدني: حرب الثلاثمئة سنة). وهؤلاء الأندلسيون الذين أنقذهم خير الدين إلى الجزائر هم الذين عمّروا برشك في نواحي شرشال، ومنها أبناء الإمام، وأنشأوا مدينة البُليدة التي أدخلوا إليها وإلى متّيجة كلّها زراعة الزُّمّاج المعروف بالبرتقال (غاروت Garrot).
وفي سنة 1516م حلّ عرّوج بالجزائر العاصمة بدعوة من سليم التومي، شيخها، وعقلاء المدينة، لطرد الإسبان منها بعد أن استقرّوا بها منذ قليل، وطردهم عرّوج فعلا، ولقي الإسبان هزيمة نكراء، وأخذ عرّوج يرسي قواعد دولته المركزية، ويقضي تدريجيا على الإمارات المهلهلة المتعدّدة في تنّس، وشرشال، والمدية، ومليانة، ثمّ تلمسان، وفي هذه الأخيرة تعاون عليه أميرها أبو حمّو وولداه مع الإسبان، واستشهد عرّوج في الميدان «كالأسد» (غاليبيرت Galibert) في بداية يوليو سنة 1516م، عن خمس وأربعين سنة، سواء أكان ذلك في ضواحي تلمسان حسب بعض الروايات، أم قرب الوادي المالح في ناحية وهران، أم في بني يزناسن في شرق الرباط القطر، وهو ينتظر نجدة السلطان الوطّاسي محمّد الذي كان وعده بها، حسب روايات أخرى، استشهد عرّوج على يدي ضابط إسباني Don Garcia de Tineo وهو يصارع الإسبان بيد واحدة والخونة المتعاونين معهم، فحُزّ عنقه، وقُطع رأسه الذي جال به الإسبان في أوروبا كلّها، ووضع قفطانه كرداء لتزيين كنيسة القدّيس خيروم St Jerome في قرطبة. وأعيد أبو حمّو إلى كرسيه وليس عرشه في تلمسان، تحت حماية الإسبان، على أن يدفع لهم جزية سنوية باهضة مع ستّة نسور سنويا، وعلى أن يقف بجانب الإسبان لاحتلال بقية الجزائر.
ولكنّ أخا عرّوج، خير الدين وخلفاءه واصلوا الكفاح، فحرّر صالح رايس بجاية في يوليو سنة 1555م، وحسن بن خير الدين مستغانم في أغسطس 1558م، وظلّت الحرب سجالا في وهران، التي بقي فيها الإسبان ما يقرب من ثلاثة قرون على فترات متقطّعة، حتّى حرّرها محمّد الكبير بن عثمان الكردي سنة 1792، وطرد الإسبان منها، وبذلك خرجوا من الجزائر نهائيا. أمّا تونس التي كان يتصارع فيها خير الدين وشارلكان، فقد حرّرها علي باشا الفرطاس، رئيس دولة الجزائر سنة 1570م، وطرد منها فلول الإسبان وحميدة الحفصي آخر الحفصيين، الذي وضع نفسه تحت حماية شارلكان وجنده المتمركزين في حمام الأنف، وبذلك تحرّرت تونس أيضا من الإسبان نهائيا. وخلفاء خير الدين أيضا هم الذين طرودوا الإسبان والإيطاليين وفرسان مالطا من طرابلس. ومعلوم أنّ فرانسوا الأوّل استنجد بخير الدين ضدّ شارلكان وهنري الثامن ملك بريطانيا، وبعد رحلته تلك إلى مرسيليا وطولون مرّ بإيطاليا وسيطر على المصاب السبعة لنهر التيبر، وزرع ضبّاطه الروع والفزع في مدينة روما بمجرّد ظهورهم فيها (غاليبيرت Galibert) من دون أن يشتبكوا مع أحد، ويقول غاليبيرت: إنّ ذكرى مرور خير الدين بروما بقيت عالقة بالأذهان مدّة طويلة.
وهكذا كانت حياة خير الدين مليئة بجلائل الأعمال، وقد توفّي في استنبول سنة 1547م عن ثمانين سنة في السنة نفسها التي توفّي فيها فرانسوا الأوّل، وهنري الثامن، ومارتين لوثر. وإذا كانت الدولة التي أنشأها هو أخوه سنة 1516م بدعوة من الشعب (سكّان بجاية والعاصمة)، وبتأييد مادّي في أوّل الأمر من السلطان سليم العثماني، والإشراف الروحي من بعيد للباب العالي، قد ارتكبت أخطاء وشاب حكمها ظلم وتعسّف، وكان طابعها الاضطراب وقلّة الاستقرار، ولم تتقدّم بالبلاد كثيرا، في الوقت الذي بدأت فيه أوروبا تنهض والعالم يتقدّم، فإنّها قد أنقذت البلاد والعباد من مصير الأندلس، وحقّقت للجزائر وحدتها في العصر الحديث، فقضت على الإمارات المهلهلة العديدة المنتشرة في البلاد والمتصارعة والمتنازعة، فضت على سليم التومي في الجزائر العاصمة، وعلى حميد عبيد في تنّس، وعلى قارة حسن في شرشال، وعبد العزيز في قلعة آيث عبّاس، وأحمد بن القاضي في كوكو، اللذين كانا قد ساعداها كثيرا منذ البدء ضد الإسبان، ولكنّهما بعد ذلك كانا يريدان الاحتفاظ باستقلالهما كغيرهما من ملوك الطوائف، وعلى أبي حمّو في تلمسان، وعلى غيرهم في المدية، ومليانة، ومستغانم، ومازونة، وورقلة، وتوغرت، وبسكرة، وجاب صالح رايس البلاد من أقصى شمالها إلى عين صالح التي سميت باسمه، محقّقا هذه الوحدة بثلاثة قرون قبل أن تتحقّق وحدة كثير من البلدان الأوروبية، مثل: إيطاليا، وألمانيا، بل وفرنسا نفسها التي لم تنضمّ إليها بعض ولاياتها الحالية إلا بعد احتلالها الجزائر!
كما أعطت هذه الدولة الجزائر مكانتها بين الدول والأمم طوال قرون ثلاثة، بل وأنقذت شعوب وبلدان المغرب كلّها، ومئات الآلاف من الأندلسيين، وأطالت في عمر الدولة العثمانية نفسها، التي بضياعها ضاعت فلسطين، وتفرّق العالم الإسلامي شذر مذر. فتحية إذن إلى عرّوج وخير الدين، وإلى حسن آغا، وحسن بن خير الدين وصالح رايس، وتحية إلى محمّد الكبير، وتحية إلى بابا حسن، ومصطفى باشا، والداي شعبان، وتحية إلى علي خوجة والداي عمر، وتحية إلى الشعب الجزائري في تقديره للرجال وصراعه مع الحدثان!