معجم المصطلحات الكبير
دَوْرَة صَخْرية
الحتاكة

الصخر، مادّة طبيعية صلبة تتكوّن من تجمّع طبيعي لمعدن واحد أو أكثر. تُقسّم الصخور إلى ثلاثة أنواع رئيسة: الصخور النارية، والصخور الرُّسابية، والصخور المتخمّمة، على الرغم من أنّ لكلّ نوع من هذه الصخور طريقة معيّنة في تكوّنه، إلاّ أنّها تشترك جميعا في خصيصة واحدة، حيث تتكوّن جميعا على حساب بعضها بعضا، وقد اقترح مفهوم الدورة الصخرية العالم الأسكتلندي «جيمس هاتون» James Hutton ليفسّر «العمليات الحِتاكية المختلفة في تشكلّ كلّ نوع من الصخور من نوع آخر سابق عليه في الوجود، حيث تبدأ هذه الدورة أوّل مرّة بالصخور النارية».

إنّ أكثر من 90% من المعادن هي من عائلة الكوثبات التي تتكوّن من الكثاب والكُثار، إضافة إلى عناصر أخرى مثل الزهاف، والحديد، والكلاس، والقُلان، والبُثان، واللغاس. يُعطي تجمّع المعادن الصخور المختلفة التي تكوّن القشرة الأرضية والتي نراها من حولنا، تتكوّن معظم المعادن ومن ثَمّ الصخور من تبلور المهل، ويعتمد نوع المهل المتكوّن على نوع المعادن والصخور التي انصهرت. يمكن لنوع واحد من المهل أن يُعطي أنواعا مختلفة من الصخور عن طريق التمايز المهلي (فتين، مروان، أنديزيت)، كما أنّ اختلاط مهلين أو أكثر بتراكيب كيميائية مختلفة بفعل عوامل حِتاكية متعدّدة ينتج عنه مجموعة من المعادن وصخور جديدة تختلف عن الصخور التي يمكن أن تتكوّن من كلّ مهل على حدة، مثل: الخَفّان pumice الناتج من اختلاط مهلين مختلفين هما المهل السَّفَحي والمهل الأنديزيتي. تتكوّن الصخور النارية في الطبيعة داخل القشرة الأرضية، وتُسمّى هذه بالصخور الانكراسية، وذلك لتدخّلها واندساسها بين الطبقات الصخرية أو الشقوق والفجوات التي توجد بين الصخور، وقد تتكوّن أيضا على سطح الأرض عندما تُسكب الطفوح اللابية على الجَدالة، تُسمّى حينئذ بالصخور البركانية، كما توجد صخور أخرى تقع وسطا بين الثنتين السابقتين، حيث يتصلّب جزء من المُهل في الأعماق، وأثناء صعوده من جوف الأرض يتصلّب جزء آخر قرب السطح، وأحيانا قد يصل إلى سطح الأرض نفسه.

الصخور التي تتعرّض للتغمّل والكثح هي تلك المتكشّفة على السطح والمتعرّضة لفعل العوامل الجويّة، أمّا الصخور الباطنية فإنّها تبرز على السطح نتيجة عوامل أخرى حدثت بعد تكوّنها أدّت إلى رفعها أو كسح الطبقات الصخرية التي كانت تعلوها، لذلك توجد معظم مكاشف الصخور النارية الانكراسية في قلب الجِبْلات القديمة التي ارتفعت نتيجة للقُوى الرِّهاصية التجبّلية orogenic tectonic، ومن ثمّ تتعرّض هي أيضا لعوامل التغمّل، وإزاء هذا فإنّها تتفتّت إلى كتل صخرية صغيرة، وتتحاتّ، ثمّ يُنقل حُتاتها بواسطة الماء أو الرياح أو الجليد من مناطق تكشّفها المرتفعة إلى مناطق أخرى منخفضة في القارّات فيما يُعرف بالأحواض الرُّسابية، وتحدث عملية الترسيب أيضا التي قد تستمرّ لبُلوف السنين في أحواض رسابية بحرية، حيث تبدأ عمليات التجشّر لتتكوّن في النهاية من هذا الفتات المتراكم صخور رُسابية، كما قد تنشأ عناصرها الأساسية من تبلور المواد الذائبة في الماء ومن تثفلّها المباشر. تمثّل الصخور الرسابية زهاء 5% من المكوّنات الصخرية للقشرة الأرضية، ولكنّها تغطي أزيد من 75% من سطح القشرة الأرضية، حيث تتوضّع عليه على شكل طبقة رقيقة نسبيا.

تعتبر الصخور الرسابية النتيجة الطبيعية لعمليات التغمّل القينيائية والكيميائية للصخور النارية، والصخور المتخمّمة، والصخور الرسابية القديمة. تترسّب نواتج هذه العمليات في مَحاطات مختلفة، إمّا على سطح القارّات بالقرب من مناطق التغمّل، مكوّنة الصخور الرسابية الفتاتية الفِجّة immature clastic sedimentary rocks من حيث النسجة الصخرية والتركيب المعدني، وإمّا تُحمل بعيدا عن منطقة مصدر المَحاش الرسابي بفعل مياه الأنهار، كما يمكن أن تحمل بعيدا جدا عن منطقة المصدر، وتترسّب في بحيرات قارّية، فتعطي حينئذ صخورا رسابية فتاتية متطبّقة، مع طبقات رقيقة من السَّوْخمات carbonates والتِّلاء evaporite rocks. أمّا عندما تصل مياه الأنهار إلى البحار والمحيطات فإنّها تعطي صخورا رُسابية فُتاتية تحمل في ثناياها دلائل ترسّبها في بيئات بحرية. الصخور الكلسية والضَّبَدية (الدولوميتية) والتي تمثل جزءا كبيرا من السَّتَلات الرسابية وتعود إلى عصور حِتاكية مختلفة، تنتج من الترسيب المباشر أو التثفّل الكيميائي أو الكيميائي الحِياوي أو العضوي للسوخمات الذائبة في مياه البحار والمحيطات. تُعدّ التِّلاء من أهمّ أنواع الصخور الرسابية، التي تكوّنت في بيئات مائية ضحلة أو شديدة التبخّر، نتيجة انحسار البحار القديمة بفعل الحركات الترهصّية. عموما فإنّ الصخور الرسابية تتكوّن خلال ثلاث مراحل مختلفة: (1) مرحلة التغمّل، وهي مرحلة التفتّت والتكسّر والتحلّل للصخور القديمة بأنواعها المختلفة، (2) ثمّ مرحلة النقل والترسّب والترسبب (إعادة الترسّب)، في البيئات الترسّبية المتعدّدة، (3) ثمّ مرحلة التجشّر، التي تشمل فقدان الماء من الرُّسابات، وتحلّل بعض المعادن، واستجداد بعضها الآخر، وتكوّن اللياط والكِناف. تسهم عمليات التجشّر في تطور النسجة الصخرية والتركيب المعدني لهذه الصخور، وتؤدّي في بعض الأحيان إلى تكوّن مرامك الثروات المعدنية، كالنفط والمياه الجوفية داخل الصخور.

تأتي الصخور المتخمّمة من صخور سابقة، قد تكون صخورا نارية أو صخورا رُسابية أو صخورا متخمّمة أيضا، والتخمّم هو مجموع العمليات التي تُحدِث تغييرا معدنيا أو نَسْجيا في صخر صلب متكوّن سابقا، حيث يحدث هذا التغيّر في ظروف ريزيائية وكيميائية فُرضت عليه في أعماق تحت سطح الأرض، بعيدا عن تأثير العوامل الجوّية، والتي تختلف عن الظروف التي نشأ فيها هذا الصخر. الضغط والحرارة ودخول مواد كيميائية جديدة هي الأسباب الرئيسة للتخمّم. التغيّرات الناتجة والتي تشمل بشكل عام تطوير معادن جديدة، هي في الواقع استجابة حَرَكوتية حرارية لبيئة متغيّرة بشكل كبير. تحتفظ الصخور المتخمّمة عادة ببعض خصائص الصخور الأصلية، مثل التركيب الكيميائي، والأشكال الكبيرة كالتطبّق، أثناء تكوّن أنسجة جديدة أو معادن.

405.jpg 

تمرّ المادة المُكوِّنة للصخور عبر الدورة المُوضّحَة في هذا الشكل التخطيطي، حيث تنشأ على جانبي سطح القشرة الأرضية، الجانب السفلي والجانب العلوي. يحمل المُهْلُ الموادّ المنصهرة العميقة، والتي تعود إليه مرّة أخرى بعد مرورها ببعض البيئات المختلفة أو كلّها، وبعد تعرّضها أيضا لتغيّرات متعدّدة.

ظواهر التخمّم في الطبيعة متعددة ومعقّدة ، والصخور المتخمّمة شديدة التنوع، ومن ثَمّ فإن التصنيف والتسميات معقّدة أيضا. هناك نوعان رئيسان من التخمّم؛ (1) التخمّم العام (أو الإقليمي)؛ يؤثر على جميع أنواع الصخور التي تكون ببُصور (سُموك) كبيرة ومساحات. وهكذا، ففي المجالات غير المتغضّنة، تخضع قاعدة السَّتَلات الرُّسابية والتي يبلغ بُصرها عدة إقاسات لظاهرة التخمّم، ويسمى هذا النوع بالتخمّم السَّكَنوتي static metamorphism أو تخمّم الاندفان burial metamorphism، ويكون في العادة ضعيفا ومن دون تشوّهات. في الجِبْلات الكبيرة المتغضّنة، يكون التخمّم مسؤولا عن تكوين مجموعات من الحَسَف (الشست)، والحَسَف الصَّرَقي، والجَسَن (النيس) وهي الصخور المتخمّمة البَلَوْرَقِية phyllocrystalline rocks، التي تشكّل في أغلب الأحيان الطبقة السفلية. خضعت هذه الصخور لتشوّهات رِهاصية كبيرة، والتخمّم في هذا المقام هو التخمّم الحَركوتي الحراري dynamothermal metamorphism العام. (2) تخمّم التلامس، ينشأ حين تتلامس الصخور القديمة والجيوب الصخرية والأشقاص مع كتل صخرية منصهرة فتؤثّر عليها حين تعبرها. يخضع هذا الشكل من التخمّم إلى ارتفاع الحُرورة وزيادتها، ومدّة هذه الزيادة، وغالبا ما يُطلق عليه اسم التخمّم الحراري thermometamorphism، يبلغ بُصْر المنطقة المتخمّمة حول الكتلة المنكرسة بضعة قاسات إلى بضعة مئات من القاسات، ويرسم تكشّفها على الخريطة نطاق أو هالة من تخمّم التلامس، مع نهاية خارجية غير محدّدة، وذلك بسبب الانخفاض التدريجي للحرورة وبالتالي التخمّم. يظهر التخمّم الحراري أيضا على حافَات بعض الجُدّات والعروق، أو عند قاعدة بعض الطفوح اللابية، ولكن ببُصْر لا يتجاوز بضعة مِئقاسات (ملليمترات) أو قَوْسات (سنتيمترات).

يمكن القول إنّ الدورة الصخرية عبارة عن دورة طبيعية متطورة لا تتوقّف أبدا، بدأت منذ أن تكوّنت القشرة الأرضية قبل 4600 بِسان (بَلْف سنة)، وإنّه ما إن تنتهي دورة واحدة حتّى تبدأ أخرى، فالصخور المتنوّعة ما هي إلاّ مَحاشات لصخور قديمة، تكوّنت بطريقة معيّنة على حساب بعضها بعضا. الصخور الرسابية تتكوّن من فتات جميع الصخور الأخرى، النارية والمتخمّمة والرسابية أيضا، بعد كثحها بالتفتّت والتذويب، وعندما تتعرّض الصخور الرسابية أو النارية إلى عوامل التخمّم في جوف القشرة الأرضية تتغيّر ملامحها المميّزة لها، وتنشأ حينئذ الصخور المتخمّمة، وإذا ما تعرّضت هذه الصخور إلى الحرارة الشديدة والضغط تمرّ إلى طور سائل وتتحوّل إلى صخور نارية. وعلى هذا النحو، فإنّ كلّ نوع من الصخور بوجه عام يمكن أن يتحوّل إلى نوع آخر، إذا تغيّرت عليه الظروف الريزيائية والكيميائية التي نشأ فيها أوّل مرّة.

تعليق

الحيميائي نسبة إلى الحِيمياء، biochemistry وهي العلم الذي يتعامل مع التركيب الكيميائي للكائنات الحية والتفاعلات الكيميائية التي هي محلّ لها. مصطلح منحوت من حِياوة وكيمياء، أي الكيمياء الحِياوية biological chemistry.

لغة كلزية

rock cycle
لغة فرنسية

cycle des roches
cycle géologique
cycle géochimique
مراجع

  • بحوث في الجيولوجيا وعلوم الأرض، تكتونية الأرض (الجيوتكتونيكا). تأليف، الربيز: زكريا هميمي. دار الكتاب الحديث، 1429، 2008م. القاهرة، مصر.
  • Élément de géologie. J. Guillemot, Editions TECHNIP, 4e édition, 1986. Paris, France