معجم المصطلحات الكبير
فِكْر جَماعي
الفكر

هو فكر مرتبط بجماعة فكرية، التي هي مجموعة من الأفراد يتبادلون الآراء والمفاهيم والنظريات، ويشتركون في أسلوب فكري معيّن. أوّل من جاء بهذه الفكرة العالم لودفيك فليك Ludwik Fleck المتخصّص في المِجْياوة (الحِياوة المجهرية) وله اهتمام أيضا بدراسة العلم بوصفه ظاهرة اجتماعية. يرى «فليك» أنّ هذه الجماعات متعدّدة، وتختلف في حجمها وتكوينها، وأنّ تقدّم الأفكار العلمية الجديدة مرهون بقبولها من الجماعة الفكرية التي ستستعملها بعد ذلك. في كتابه «خلق حقيقة علمية ونموّها» الذي نُشر باللغة الألمانية سنة 1935م وشرح فيه مفهوم الفكر الجماعي denkkollectiv، وهو كتابه الوحيد في هذا الموضوع، قام «فليك» بدراسة الكيفية التي قبلت بها إحدى الجماعات العلمية (خبراء المِجْياوة الذين كانوا يدرسون مرض الزهري) أحد الاختبارات العلمية المحدّد واستوعبته، ويلاحظ «فليك» الأهمية الكبرى لكيفية تأثّر فكر جماعة من العلماء وتغيّره، بانتماء بعض أفراد العلماء إلى جماعات فكرية أخرى، فالعالم في جماعة العلماء يكون في الوقت نفسه عضوا أيضا في جماعات فكرية أخرى، مثل العائلة، أو الحزب السياسي، أو المجتمع المحلّي، وهلّم جرجرة. فلكلّ من هذه الجماعات أسلوب فكري خاصّ بها، ولها نمطها المتميّز في رؤية العالم، وقد يصل الاختلاف بينها في الرؤى إلى حدّ التضارب. وعندما يدخل العالم إلى مخبره فإنّه يصطحب معه كلّ هذه الأساليب الفكرية، وتكون النتيجة تكّون جماعة فكرية من العلماء، أو جماعة علمية، بمعارف تضمّ ولو جزئيا الأساليب الفكرية للجماعات الأخرى خارج تلك الجماعة العلمية، على الرغم ممّا يتراءى لنا من أنّ معرفتهم العلمية محايدة وخالصة. وعلى ذلك يرى «فليك» أنّ المجتمعات تخلص إلى معرفة علمية تعكس الأحوال الاجتماعية لمجتمع معيّن، إضافة إلى مفهومنا نحن عن العالم الطبيعي. وهكذا ينبذ بأسلوب مرتّب الفكرة السائدة عن حيادية العلم وأنّ المعرفة العلمية نتاج أنشطة ووسائل غاية في الدقّة، كما أنّ الحقائق التي نعرفها اليوم ليست أكثر صدقا من الحقائق التي كانت معروفة في الماضي، ويقترح أنّ فهمنا للحقائق معتمد على المكان والاستعمال في موقع معيّن، أي يعتمد على خلقها من داخل الجماعة الفكرية، وأنّ أولئك الذين هم خارج تلك الجماعات العلمية يساهمون أيضا في إنتاج العلم من خلال تمثيل أفكارهم العلمية ومناقشتها، لذلك فإن القول بأن حقيقة معينة صحيحة أو خاطئة أمر مستحيل، لأنّ «الحقيقة» قيمة نسبية، معبّر عنها بلغة أو رمزية الفكر الجماعي الذي تنتمي إليه، وخاضعة للبنية الاجتماعية والزمنية لهذه الجماعة.

يتمثل أحد الجوانب الرئيسة لنظرية «فليك» عن المعرفة في أنها تؤكد على الطابع الجماعي الأساسي للبحث العلمي، فالفكر الجماعي ينشأ من خلال «الأسلوب الفكري» denkstil، والذي يعرّفه «فليك» على النحو التالي: «الاستعداد للإدراك الموجّه، مع الاستيعاب العقلي والموضوعي المقابل لما تم إدراكه على هذا النحو». فكل الفرضيات وكل المعرفة وكل النظريات العلمية تظهر، حسب قوله، ضمن ما يسميه «بالأسلوب الفكري»، الذي يتوافق مع مجموع المعايير والمبادئ والمفاهيم والقيم الخاصّة بكل المعارف والمعتقدات في وقت معين. لذلك يمكن مقارنة هذا المفهوم بما يسمى «الأسلوب» في الفنّ أو العمارة، والذي يتوافق مع جميع القواعد والقيم الخاصّة بعصر ما أو حركة فنية. غالبا ما تمت مقارنة فكرة «الأسلوب الفكري» بالنموذج المعرفي «لتوماس كوهن» Thomas Kuhn، الذي تأثر أيضا بعمل «فليك». فالأسلوب الفكري هو الذي يُحدّد ما هو مناسب ليكون مشكلة علمية أو حكما صحيحا أو طريقة صحيحة لمعالجة مشكلة، فالأفراد الذين ينتمون إلى المجموعة الفكرية نفسها، تكون أحكامهم موحّدة بالنسبة للقضايا المختلفة، فما هو صحيح للفرد «أ» لا يمكن أن يكون خطأ للفرد «ب»، إلاّ أنّ الأمر يختلف إذا كانا ينتميان إلى مجموعتين فكريتين مختلفتين، فما هو صحيح للفرد «أ» سيكون حينئذ مبهما للفرد «ب» أو يفهمه بطريقة مختلفة.

لا يدرك الفرد داخل المجموعة أبدا أسلوب الفكر المسيطر، أو نادرا ما يكون على دراية به، والذي يمارس دائما أو تقريبا قوة قهرية مطلقة على تفكيره والتي لا يمكن أن يكون متباينا معها. كما أنّ الأسلوب الفكري يتميّز بالتغيّر المستمرّ لكن على نحو ضئيل، وذلك خلال تبادل الأفكار بين أفراد الجماعة الفكرية الواحدة، أو بين أفراد الجماعات الفكرية الأخرى المختلفة، إلاّ أنّه يخلق في الوقت نفسه قَسارة contrainte تمنع من حصول تغيّرات أساسية في الفكر أو على الأقلّ تُعيق ظهورها. ووفقا «لفليك»، فإن هذا الميل للأفراد في الاستمرار في تبنّي الأسلوب الفكري نفسه تحدّده العوامل التالية:

- العجز عن تصوّر أو افتراض وجود تناقض مع نظام الرأي المسيطر، بحيث لا يتمّ البحث عن أدلّة مخالفة له.

- إذا ما ظهرت أدلّة جديدة متناقضة مع الأدلّة المعتمدة المعروفة، فإنّها تُهمل وتُتجاهل وتظلّ مستترة، أو بعبارة أخرى حتى لو لوحظت حقائق غير متّسقة مع أسلوب فكري معين، فإن المرء يتجاهلها باعتبارها غير مهمة. على سبيل المثال، عرف الريزيائيون لعدة عقود أن عطارد لا يتحرك كما ينبغي وفقا لقينياء نيوتن، لكنهم فشلوا في ذكر هذه الحقيقة لعامّة الناس. اليوم فقط يصف المرء هذه الحقائق بدقّة على أنها تؤكد أسلوبا جديدا للفكر: النظرية العامة للنسبية.

- في حال ما واجه الباحث تناقضا، فإنّه يبقيه سرّا ولا يُفصِح عنه أو لا يناقشه.

- إذا ما ظهر تناقض واضح وأصبح واقعا لا يمكن تجاهله، فإنّه يُلفّق حينئذ في نظام الرأي ويدمج في بنائه على نحو متعسَّف. وقد حظيت هذه الجزئية على الخصوص بمناقشات واسعة في تاريخ العلوم الحديث ونظريات العلم الحديثة.

- لا تأتي المشكلات المعرفية التي يتمّ اختيار حلّها من مخزون محايد من المشكلات التي كانت موجودة قبل تطور العلوم، ولكنّها تختار تلك التي ولدت على أساس أسلوب فكري مفروض، وعادة ما يتم حلها بنجاح في إطاره، والمشكلات التي تولد في إطار أساليب فكرية أخرى لا يتمّ التعامل معها، بل قد تعتبر أنها لا تستحق الاهتمام، أو حتى لا معنى لها.

- كما يرى «فليك» أن أسلوب التفكير قد يخلق ملاحظات وهمية تتوافق مع الرأي السائد ويصنعها. على سبيل المثال، تم رسم التشابه بين الأعضاء التناسلية الذكرية والأنثوية في العديد من الكتب المدرسية التشريحية، حتى لو بدا اليوم للباحثين أنه محض خيال.

يوضّح «فليك» أنّه عندما يلتقي الأشخاص ذوو الأساليب الفكرية المختلفة، فإنهم لا يفهمون بعضهم البعض تماما، وفي الوقت نفسه يعتقد أحدهم أن الآخر أحمق، وقد استعمل «فليك» أمثلة من تاريخ الطب. إن مثل هذا الافتقار إلى الفهم لا يظهر فقط حين يلتقي الريزيائي مع المُنجِّم، ولكن أيضا عندما يقرأ علماء اليوم أعمال أسلافهم من الماضي البعيد. (تمامًا مثل ما يعتقد «فليك» أن تاريخ الريزياء كعلم لم يبدأ مع غاليليو ونيوتن، وأنّ تاريخ الكيمياء العلمية لم يبدأ مع لافوازييه). بالنسبة لعلماء اليوم، تبدو آراء علماء العصور الوسطى رائعة وغير مبرّرة وغير مجدية، لذا «غير علمية»، لكن ماذا سيحدث إذا قرأوا هم الأطاريح العلمية لعلماء اليوم، ربما يعتبرونها مزيّفة وتعسفية ولا معنى لها، لقد فهموا بعضهم البعض جيدا وطوروا معا أساليب فكرية، تماما مثلما تسمح آراء علماء اليوم بالتعامل مع ضرورات الحياة، سمحت الآراء اللاهوتية للقدماء بتنظيم الحياة ومنحتهم فهما لها ومعنى. إنّ انتصار أي أسلوب فكري معيّن لن يكون نهائيا أبدا. كل اكتشاف تجريبي جديد، وكلّ فكرة نظرية، تغيّر النظام بأكمله بشكل أو بآخر. حتى لو رأى المرء في البداية ما يتوافق مع النظرية فقط، بعد فترة تظهر تعقيدات واستثناءات (شذوذ كوهن) والتي تؤدي عاجلا أو آجلا إلى مراجعة المفاهيم والافتراضات. تحدث باستمرار «الطفرات» في أسلوب التفكير، مثل التحولات المعاصرة في الريزياء أو في علم الجراثيم. عاجلا أو آجلا سوف يتعين على العلماء تغيير قانون حفظ الطاقة أو أي مفهوم أو ادّعاء آخر. في التطور التاريخي للعلم لا يوجد شيء محدد بشكل نهائي، لا شيء ثابت. كلّ من التفكير والحقائق تتغير. يرى «فليك» أنّ تقدّم العلم مرهون بالتغيّرات في الأساليب الفكرية، وانتصار أسلوب فكري جديد يعتمد على مجموعة من المقوّمات، منها:

- وجود جيل جديد يتبنّى هذا الأسلوب، مع منع تأثيرات الأساليب الأخرى.

- نشر مشكلات بحثية معينة، مع وجوب إزالة مشكلات أخرى.

- خلق استعداد ذهني معين بين أتباع العلم.

وعندما يتحقق ذلك، فإن جميع الباحثين «سيرون الشكل الجديد مباشرة، بأمّ أعينهم، كما لو كان هو الحقيقة الوحيدة الأبدية، المستقلة عن الناس»، ويقول «فليك» إنّ الإدراك فعل جماعي، لأنه خلال كل تبادل دائم للأفكار، تظهر الأفكار والمعايير وتنمو بطريقة لا تكون مرتبطة بأي كاتب فردي، فهو دالّة من ثلاثة مكوّنات، الذات الدارسة، والموضوع المدروس، ومجتمع الفكر الذي هو مجال عمل الذات، والذات الدارسة لا تعمل إلاّ عند استعمال أسلوب فكري معيّن نشأ في مجتمع معيّن.

يعتقد «فليك» أنّه حتّى وإن حدثت تغيّرات جوهرية في الأسلوب الفكري على الرغمّ من وجود الكثير من الموافيق (الميكانزمات) الكابحة لها كما ذُكر آنفا، فإنّ أنظمة الرأي القديمة لا تختفي تماما أو تزول، فستظلّ هناك جماعات قليلة متمسّكة بها، كما هو الشأن في علم التنجيم، والخيمياء، والسحر، فحسب «فليك» فإنّ كل أسلوب جديد من الفكر يقوم أساسا ويتشكّل على أسلوب أقدم منه، حتّى وإنّ ظهر عدد قليل جدّا من المصطلحات الجديدة من دون أي علاقة بأساليب فكرية سابقة. وعلى الرغم أنّ كلّ أسلوب فكري يقوم على أكتاف أنظمة رأي سابقة، إلاّ أنّ التغيّرات في أساليب الفكر قد تكون أحيانا جوهرية لدرجة تصبح معها الأساليب الفكرية القديمة عالما غريبا، وكتوضيح لهذه الفكرة يشير «فليك» إلى نصّ من القرن الثامن عشر الميلادي، يدعّي أصحابه أنّ المرء يصبح أخفّ وزنا بعد الأكل من ذي قبل، تماما كما أن الأحياء، همّ أخفّ وزنا من الأموات، وأنّ الناس السعداء أخف وزنا من التعساء، هذه الأفكار تبدو اليوم سخيفة، إلاّ أنّها صيغت قديما على مزيج متماسك من «التأرّض، والحماقات، والسوداوية». هؤلاء الناس، لاحظوا، وفكّروا، وربطوا أوجه التشابه، وأسّسوا مبادئ عامّة، ومع ذلك فقد أنتجوا معرفة تختلف تماما عمّا نعرفه نحن اليوم.

تعليق

يُعتبر كتاب «توماس كوهن» عن بنية الثورات العلمية، أهمّ عمل فكري هزّ الأوساط العلمية المشتغلة بفلسفة العلم وتاريخه في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، وقد قدّم فيه مفهوم النموذج المعرفي paradigm لتفسير تطوّر المعرفة، وخلاصة نظريته، أنّ الجماعة العلمية تعمل عادة ضمن الأعراف والأدوات السائدة في فترة معيّنة، وهذه الأعراف تمثّل نموذجا تفسيريا للعالَم ضمن ما يسمّيه العلم النمطي normal science، ثمّ تتكاثر الحالات والأمثلة الشاذّة التي لا تنسجم مع ذلك التفسير، فتحدث أزمة تستدعي البحث عن نموذج تفسيري جديد، يبدأ تدريجيا حتّى يستقرّ تماما، فيحدث انقلاب في النموذج paradigm shift أو الثورة العلمية، ويتولّد عن ذلك أعراف وأدوات جديدة تسود فترة زمنية أخرى، ثمّ لا تلبث أن تلاحظ الحالات الشاذّة، وفتتكرّر الثورة العلمية، وهكذا دواليك. ويرى «كوهن» أنّه لا يوجد تفسير منطقي يُسوّغ القول بتفوّق نموذج تفسيري على غيره، بحيث يلجأ العلماء بطريقة عقلانية إلى التغيير، وعلى هذا يمكن القول أيضا إنّه لا يوجد حقيقة مطلقة، وأنّ كلّ الحقائق تكون صحيحة في إطار النموذج التفسيري السائد. والأهمّ من ذلك أن العامل الأساس في حدوث التغيير يرتبط بالجماعة العلمية ونوعية الشخصيات المؤثّرة فيها، والظروف الاجتماعية السائدة. أنظر كتاب: مقالات في إسلامية المعرفة، للربيز: فتحي حسن ملكاوي، ص 36.

المِجْياوة تعني الحِياوة المِجهرية microbiologie، وهي مؤلّفة من شقّين، الأوّل «مج» المقتصر من مجهري، والثاني «ياوة» المقتصر من حِياوة التي هي البيولوجيا. واستعمال الشقّ «مج» للدلالة على micro نجده أيضا في المِجْحاثة أي الإحاثة المجهرية المعروفة باسم micropaléontologie في اللغة الفرنسية.

مصطلح قريب

لغة كلزية

thought collective
لغة فرنسية

collectif de pensée
مراجع

  • العلم والثقافة والمجتمع، فهم العلم في القرن الحادي والعشرين. مارك إريكسون، ترجمة: محمود خيال. المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2014م. القاهرة، مصر.
  • de.wikipedia.org/wiki/Ludwik_Fleck
  • plato.stanford.edu/entries/fleck

لا ينفصل مفهوم أسلوب الفكر عن مفهوم الفكر الجماعي، الذي يُعتبر حسب فليك هو أصل معايير الفكر الخاصّة بالأسلوب الفكري. الأسلوب الفكري هو نظام هرمي مغلق يأخذ شكل المجتمع العلمي، لكنّه يضمّ أيضا وعلى نحو أشمل مجموع البِناء الهرمي للمجتمع، لذلك يوجد عند فليك شكل معين من الشمولية، ترتبط بموجبه كل معرفة فردية بمجموع المعرفة الخاصة بفترة معينة، وأيضا بمجموع المؤسسات والممارسات الخاصّة بتلك الفترة نفسها.