معجم المصطلحات الكبير
طِباعة
الإعلام والاتصال

في عام 1436م اكتشف «يوهان غوتنبرغ» أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الطباعة، وذلك حين صنع حروفا متحركة من قطع الرصاص، وقد احتلّت الطريقة الآلية في الترصيف زهاء سنة 1880م مكان الطريقة الرِّتابية التي اخترعها «غوتنبرغ» والتي تتطلّب أن يجمع الرَّتّاب الحروف الواحد بعد الآخر في مِسطار أمّا الطريقة الآلية فتعتمد على مِرْصفة، وهي آلة لها لمائس تستطيع سبك سطر بأكمله، وتُسهّل عملية التوليف montage والوضع على المِلزَّة الرِّتابية، ثمّ ظهرت بعد ذلك المِدْوارات التي سمحت بشكلها الأسطواني بالطبع على لفائف طويلة من الورق، واُستعملت هذه الآلات في حدود عام 1880م وعلى الأخص في طبع الجرائد، أمّا الحفر الضوئي photogravure فقد اخترعه «نييبس» Nicéphore Niépce سنة 1814م. كانت الطِّباعة إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها الحضارة الغربية وساهمت في وجودها وتطوّرها، فإذا كان القرآن الكريم قد قنّن العربية، وحركة التدوين والتأليف الواسعة التي قامت بعد ذلك في العالم الإسلامي، وظهور الورق والوِراقة حرفة عامّة قد أدّت إلى استقرار اللغة العربية وثباتها، فإنّ الطباعة قد عملت الشيء نفسه في اللغات الأوروبية، فحمتها من فوضى لغوية حقيقية، وكان كلّ كتاب مطبوع يُصبح أداة لتثبيت الكتابة ومن ثمّة استقرار اللغة واستمرارها، وإذا كانت الوِراقة في العالم الإسلامي قد أنتجت فنّا خطّيا لا يُضاهى ولا يُقارن بما عند الأمم الأخرى من ناحية الجودة والإتقان، فإنّ الطباعة قد جمّدت تطوّر الخِطاطة في العالم الغربي، بل ما كاد يظهر هذا الفنّ عندهم حتّى اضمحلّ واندثر.

وقد عرف العالم الإسلامي في أوّل أمره مبدأ الطباعة في صناعة الأختام التي كانت تُنتقر على الخشب والعاج والفلزّات، وفي فنّ التجليد حيث اُستعملت قوالب من الفلزّ لنماذج من الزخارف تُطبع مباشرة على الجلد بالضغط عليها، إلاّ أنّ هذا المبدأ لم يستعمل قطّ في استنساخ الكتب، إذ لم تدع الحاجة إليه، وكانت الوِراقة حرفة عامّة قد أغنت العالم الإسلامي عن الطباعة الآلية وكفته حاجته من الكتب، فقد ذكر المقدسي (أحسن التقاسيم) أنّ ابن بشكوال وهو من أهل قرطبة، كان يلتفّ حوله في جامع قرطبة ألف تلميذ، ومع كلّ تلميذ محبرته وقلمه لينسخ ما يمليه عليهم من الأمالي، كما ذكر ابن الجوزي أنّ أبا بكر جعفر بن محمّد بن الحسن بن المستفاض المُتوفّى سنة 301 لمّا ورد إلى بغداد، اجتمع له الناس في شارع المنار بباب الكوفة ليسمعوا منه، فبلغ من حضر مجلسه نحو ثلاثين ألفا، وكان المُستملون ثلاثمئة وستّة عشر، وكان في مجلسه من أصحاب المحابر من يكتب في حدود عشرة آلاف إنسان، بل كان الكتاب العربي في عمومه قد بلغ من الجودة والإتقان ما جعله يفوق الكتاب المطبوع، فقد جاء في مذكّرات «جيمس ليندر كاثكارت» James Leander Cathcart أسير الداي حسن في الجزائر في القرن الثالث عشر، أنّه أُتيح له أن يرى مصاحف مكتوبة بالخطّ العربي يُشرّف أعظم مكتبة في العالم أن تقوم بإنجاز مثلها، من أجل ذلك كلّه لم يكن لهذه الوسيلة أن تخترع في العالم الإسلامي وأن تزدهر فيه، واستفادت الدول الأوروبية بفضل هذا الاختراع استفادة عظيمة، لا سيّما إذا علمنا أنّ الكتابة العربية كتابة مِشاقية في ذاتها عكس الكتابة اللاتينية التي تعتبر من أطول الكتابات المعروفة، فما يكتبه العربي في بحر الأسبوع يكتبه الغربي في مدّة أسبوعين.

وقد دخلت الطباعة إلى العالم الإسلامي متأخِّرة زهاء قرنين من الزمان عن تاريخ ابتكارها في أوروبا، فقد نشأت في الأديرة وتحت رعاية الحكومات، ومع بعثات التبشير المسيحية كما في لبنان وسوريا، ومع الحملات الاستعمارية كما في الجزائر ومصر. وبتتبّع التطوّر الصنعيائي في المجتمعات الإنسانية فإنّه يمكن الإشارة إلى أربع ثورات في التواصل البشري وطبيعة التفاعلات الاجتماعية والتي أدّت إلى أربع مراحل من التطوّرات الإعلامية، (1) ثورة الكلام: وهي مرحلة ما قبل التعلّم حيث اعتمد الاتصال على السمْع، والتخزين محدود بقدرة الذاكرة، وتبدأ منذ بداية التاريخ البشري. (2) ثورة الكتابة، وتبدأ ممّا عُرف ببدء التاريخ المكتوب حتّى ظهور الورق في العالم الإسلامي في النصف الأوّل من القرن الثاني الهجري. (3) ثورة الوِراقة والطباعة، وتضمّ هذه مرحلتين، فالأولى تبدأ بظهور الوِراقة حرفةً عامّة مع زيادة كمّية المنسوخ من الكتب وظهور المكتبات العامّة والخاصّة وانتشار الكتاب على نطاق واسع في العالم الإسلامي كلّه، والمرحلة الثانية تبدأ بدخول الطباعة إلى العالم الإسلامي في النصف الأوّل من القرن الثاني عشر حتّى أواخر القرن الثالث عشر الميلاديين، وقد كان الاتصال في هذين المرحلتين يعتمد على العين وازادت القدرة على تخزين المعلومات وبدأ عصر الإعلام الجماهيري حيث ارتفع عدد القادرين على القراءة والقادرين على شراء الكتب، (4) ثورة التناطي، وقد بدأت منذ اكتشاف الاتصالات غير السلكية وتطوّرت مع اكتشاف البثّ الرناتي سنة 1349، 1930م.

تعليق

المِسْطار مسطرة لها حافَة خارجية تُرصّف فيها الرُّتُب لتكوّن أسطرا متوازية، يُعرف في الفرنسية باسم composteur، المِلزّة الرِّتابية تعرف في الفرنسية باسم presse typographique وهي آلة لطبع النصوص والنُّجول (الرسوم التوضيحية مفردها نِجْل illustration) على الورق، بضغط قالب يحمل رُتُب الكتابة المحبّرة لتنطبع أشكالها على الورق. والمِلزّة كلّ أداة تُستعمل لضغط ما يوضع بين دفّتيها، أو ترك أثر عليه. المِدْوارت جمْع مِدوارة وهي ملزّة طباعية تقوم بالطباعة بواسطة اسطوانات دوّارة، ممّا يجعل طباعتها على لفائف الورق سريعة ومستمرّة، تُسمّى في الفرنسية rotative, presse rotative والكلزية rotary printing press.

لغة كلزية

printing
لغة فرنسية

impression
مراجع

  • مصطلحات في الإعلام والاتصال. خضير شعبان، دار اللسان العربي. الطبعة الأولى، 1422، الجزائر.