معجم المصطلحات الكبير
حُيودة
الإعلام والاتصال

في الإعلام هي الصدق في نقل المعلومات أو استقائها أو تبادلها، بحيث لا تخضع للتأثيرات الذهنيائية أو التأويلات الخاطئة أو التحويرات المتعمّدة. يُستعمل في الإعلام العربي لفظ الحيودة neutrality, neutralité والموضوعية objectivity, objectivité بمعنى واحد، والظاهر أنّ هناك اختلافا بينهما، فالحيودة تُقابل التحيّز bias, partialité الذي هو ليّ عنق الحقائق بوسائل مختلفة لتوظيفها في خدمة وجهة نظر معيّنة، وأنّ جمع المعلومات لا يتمّ بطريقة محايدة، وإنّما من خلال نموذج يقرّر ماذا يستحقّ الرصد والتسجيل وماذا يجب أن يُهمل، وما هو المركز وما هو الهامش. أمّا الموضوعية فمصدر صناعي من الموضوع الذي هو كلّ ما يُدرك بالحسّ ويخضع للتجربة وله خارجيته وشيئيته، وفي ضوء الاتجاه الموضوعي يُدرِك العقل امتناع الحصول على المعرفة المطلقة، فيقصر وظيفته على تعرّف الظواهر واستكشاف قوانينها ثم ترتيب هذه القوانين من الخاصّ إلى العام، وبذلك تَحُلّ الملاحظة محلّ الخيال والتأمّل، وتقوم التجربة مقام التصوّرات والافتراضات الضنّية والتخمينية، والموضوعية تُقابلها الذّاتية subjectivity, subjectivité، أي الذات الدارسة التي تصبغ على موضوع دراستها رغباتها وميولها، إذن الموضوعية منهج والحيودة إجراء.

ظهرت جريدة عربية وعلى صفحتها الأولى عُلْوان ضخم عن حادث تصادم بين قطار وسيّارة في الهند، كان ضحيّة الحادث ما يزيد عن خمسين قتيلا، وفي الجزء نفسه من الجريدة ورد في الصفحة الأخيرة مع أخبار المجتمع والنجوم والطرائف والفضائح خبر عن ارتفاع عدد الأطفال غير الشرعيين في بريطانيا إلى ما يزيد على ربع بَلْف. فالموضوعية في هذا الخبر منحصرة في عدد الضحايا ومكان الحادث ووقته وأسباب وقوعه، وكذلك الإحصائيات المتعلّقة بالأطفال وأسباب هذه الزيادة إلى غير ذلك من البيانات والمعلومات التي تجعل الخبر موضوعا، أمّا التحيّز أو الحيودة فيكمنان في القرار الذي جعل تصادم قطار بسيّارة حدثا مهمّا للغاية يظهر بالخَطّة العريضة في الصفحة الأولى، وخبر الأطفال الذين حرموا حقّ أن يكون لهم أبوان وحياة أسرية كريمة ليس حدثا على الإطلاق وإنّما طُرفة تماما مثل زواج الممثّلة العالمية فلانة بنت فلان للمرة الخامسة من شابّ في عمر ابنها، فالحيودة موقف العاملين في البلغ أو سلوكهم نحو القضايا المختلفة التي تكون موضوعا للحِجاج بين فئات المجتمع المختلفة، بينما ترتبط الموضوعية بالقضايا العلمية التي يمكن أن تفصل فيها النتائج المخبرية، ومجالها في الإعلام هو الدراسات والبحوث والنتائج المتحصّل عليها، وبيانات الأخبار ومعلوماتها الحسّية التي تلاحظ وتقيّم.

إذن الحيودة في الإعلام هي فصل الرأي عن الحقيقة وتحقيق النزاهة والتوازن بإعطاء الأطراف المختلفة فرصا متكافئة لإبداء وجهات نظرها، حتّى يتسنّى للجمهور الحصول على كلّ المعلومات المُهمّة حول قضية معيّنة أو حدث من الأحداث، والحيودة والموضوعية في الإعلام مطلب ناساني، يأتي الاهتمام بهما من جانب الجمهور أكثر من العاملين في الوسائل البَلَغية، لأنّهما تمسّان الجمهور بشكل أساسي، وإذا كانت الحيودة والموضوعية أهمّ معايير تقويم أداء الوسائل البلغية، فإنّهما في الواقع لا تستندان إلى أسس أخلاقية، بل فرضتهما على العاملين في البَلَغ ظروف المنافسة والتعدّدية السياسية، فإذا أرادت أي وسيلة بَلَغِية أن تحتلّ مكانتها التي تتطلّع إليها وأنّ تحقّق لدى جمهورها قدرا من الاحترام والنفوذ فإنّ عليها أن تُعطي للحيودة والموضوعية مكانا فسيحا في أخبارها وموادّها الإعلامية، لأنّ الخبر هو أقلّ أنشطة البَلَغ قبولا للتدخّل بالرأي والمشاركة. وقد انقسمت الآراء حول هذا الموضوع إلى اتجاهين أساسيين.

الاتّجاه الأوّل: يرى أنّ الحيودة خُرافة لا سبيل إلى تحقيقها، فالتقارير الأمينة والنزيهة والناطقة بالحق وصوره من الواقع هي مجرّد بلاغة لفظية لا وجود لها إلاّ في الأذهان، ويقول عالم الإناسة الشهير «إدوارد هول»: «إنّ الثقافة قالب تمّ صبّنا فيه، فهي تسيطر على حياتنا اليومية بطرق شتّى»، ويرى «ولبور شرام» أنّ عملية التعرّض الانتقائي ليست عملية مقتصرة على جمهور البَلَغ الذي يتعرّض للمحتوى الذي يريده فحسب، ولكن عملية الانتقاء تحدث أيضا للقائمين على اختيار الأخبار، فهم يختارونها في ضوء خبراتهم ويفسّرونها لكي تقاوم أي تغيّر في ثقافاتهم والإطار المرجعي لأفكارهم. وتتلخّص افتراضات منكري الحيودة والموضوعية في الإعلام والتقارير الإخبارية في: (1) أنّ الحرّية بمعناها الشامل وليس الحرّية السياسية فقط، شرط أساسي للحيودة، فالمندوب الصحافي أو المراسل محكوم بالخبرة والظروف والمَحاط والثقافة والتعليم، وهي عوامل تجعل العامل في البَلَغ أسيرها جميعا لأنّها تؤثّر في إدراكه للواقع. (2) أنّ المندوب الصحافي لا يستطيع نقل كلّ تفاصيل الحدث، وبالتالي فإنّ عليه أن يكون انتقائيا، والاختيار عملية ذاتية وليست موضوعية. (3) أنّ من الصعب على الصحافي أن يحتفظ برأيه بعيدا عن التقرير الإخباري، فاختيار عناصر معيّنة من الحدث وطريقة بناء الخبر وترتيب عناصره والتأكيد من خلال العلاوين والصياغة اللغوية كلّها تنطلق من آراء شخصية تتنافى مع الحيودة.

الاتّجاه الثاني: يرى أنّ الرغبة في الحيودة يمكن أن تكون السبيل إلى تحقيق مفهوم واقعي لها والوصول إلى درجة تثبت أنّها مفهوم ذو معنى وليس خرافة على الإطلاق، فالسؤال الأساسي هو ما موقف الصحافي تجاه تقريره الإخباري وتجاه جمهوره؟ هل يريد أن يكون محايدا أو متحيّزا؟

يقول عبد الوهّاب المسيري في كتابه إشكالية التحيّز: إنّ التحيّز حتمي ممّا يعني انتفاء الحيودة، (1) لأنّه مرتبط ببِنْية العقل الإنساني، فهو لا يسجّل تفاصيل الواقع كالآلة الصمّاء بأمانة بالغة ودون اختيار أو إبداع، يُدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقي بعضها الآخر، ويضخّم ما تبقّى ويمنحه مركزية ويهمّش الباقي. (2) التحيّز لصيق باللغة الإنسانية نفسها، فلا توجد لغة إنسانية واحدة تحتوي على كلّ المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكلّ مكوّناته، أي لابدّ من الاختيار. (3) أنّ التحيّز من صميم المُعطى الإنساني ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي لا يُردّ إلى قوانين الطبيعة العامّة ولا ينصاع لها، فكلّ ما هو إنساني يحتوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثمّ التحيّز. كما يرى أيضا أنّه على الرغم من حتمية التحيّز وارتباطه بالإنساني والثقافي فهو ليس نهائيا، فالتحيّز ليس بعيب ولا نقيصة، بل على العكس يُمكن أن يُجرَّد من معانيه السلبية، ومن ثمّ توضع إشكالية التحيّز على مستوى مختلف تماما، فبدل أن أضع تحيّزي في مقابل تحيّزهم، يصبح التحيّز حتمية التفرّد والاختيار الإنساني، وليس من الضروري الاعتقاد بأنّ التحيّز ناجم عن عداوة وسوء قصد بل هو طبيعة إنسانية، ومادام للإنسان القدرة على الاختيار، فإنّه يستطيع بالاستقامة في السلوك أن يقلّل من آثار تحيّزه أو تحييد تأثيره ولو بدرجة ما، وهذا هو المطلوب من الصِّحافي فعله.

لغة كلزية

neutrality
لغة فرنسية

neutralité
مراجع

  • الوظيفة الإخبارية لوسائل الإعلام، الربيز حمدي حسن، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، 1991م. مصر.
  • مصطلحات في الإعلام والاتصال. خضير شعبان، دار اللسان العربي. الطبعة الأولى، 1422، الجزائر.
  • إشكالية التحيّز، رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، المقدمّة: فقه التحيّز. تحرير الربيز: عبد الوهّاب المسيري، سلسلة المنهجية الإسلامية (9)، 1418، 1998م. المعهد العالمي للفكر الإسلامي. هيرندن، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية.
  • معجم العلوم الاجتماعية، إعداد نُخبة من الأساتذة المصريين والعرب المتخصّصين، تصدير ومراجعة الربيز: إبراهيم مدكور، الشعبة القومية للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو». الهيئة المصرية العامّة للكتاب. 1975م. مصر.