معجم المصطلحات الكبير
طِباق
اللغة والأدب

وجه من أوجه أداء البديع المعنوية، وهو الجمع بين معنيين متضادّين، وذلك لإثارة القارئ، وإيقاظ نفسه، وتعميق الشعور بالمعنى عنده، عن طريق إبراز المفارقة بشكل أكثر جلاءً من خلال المجاورة بين الضدّين. ممّا أدركه الشاعر الجاهلي صاحب اليتيمة متغزّلا:

فالوجه مثل الصبح مبيضُّ ⁂ والفرع مثل الليل مسودّ

ضدّان لما استَجْمعا حَسُنا ⁂ والضدّ يُظهر حُسنَه الضِّدُّ

من أمثلة ذلك ما جاء في الحديث الشريف: «اغتنم خمسا قبل خمسٍ: فراغك قبل شغلك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك». فلو اكتفى هذا الحديث بقوله: فراغك وصحتك وغناك وشبابك وحياتك؛ لمرّت هذه الكلمات على صفحة النفس مرورا سريعا، قد لا تخلّف فيها أثرا، وذلك لتوالي الحلات والنصائح بعيدا عن تصوّر الحواس والنفس، التي تميل إجمالا إلى الراحة والسهولة. أمّا حين تبرز لها عواقب كلّ أمر، فإنّها تتنبّه وتتيقّظ، ويملأها التذكّر في البداية، يتطوّر إلى تهيؤ، ثمّ إلى تخوّف، ثمّ استثارة تدفعها إلى الإقدام.. وذلك حينما تتّضح لها حقائق قاسية:

فلا فراغ يدوم، إذ سرعان ما تطرأ شواغل تصرف المرء عمّا كان ينوي عمله، وفي حياة كلّ إنسان مواقف صرفته فيها الشواغل الطارئة، فندم وتألّم. ومثلها التذكير بأنّ حالات الصحّة لا تستمرّ على المدى، فالمرض يتربّص بها من حيث لا تدري، وحين يذكر الإنسان ذلك تعاوده ذكريات مرض سابق ألمّ به فيدرك حقيقة ما يجب عليه. ومثلها التذكير بالفقر والهرم.. ثمّ بالحقيقة الكبرى في الموت، وفي الماضين عبرة غنيّة. وبذلك يتمّ للمتكلّم عن طريق هذا الطباق، الوصول إلى أعماق النفس، واستثارتها لاغتنام ما يُطلب من اغتنامه، ومن هنا تتبدّى لنا فائدة الطباق وقوّة أثره إذا جاء أصيلا في أداء المعنى، عفويا لا تكلّف فيه.. ولم يُؤتَ به على سبيل التزيين والتحسين.

هذا، والطباق قد يأتي عن طريق اسمين، كما تقدّم في الحديث السابق، أو عن طريق فعلين كقوله تعالى: «وأنّه هو أضحك وأبكى، وأنّه هو أمات وأحيا». (النجم، 43)، أو عن طريق حرفين، كما في قوله تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، (البقرة، 288). أو عن طريق اختلاف في اللفظين، كقوله تعالى: «ومن يضلل اللهُ فما له من هاد»، (الرعد، 33). وهناك نوعان بارزان من الطباق: نوع يُسمّى «طِباق إيجاب»، كما في النماذج المتقدّمة كلّها، وآخر يُسمّى «طِباق سلب»، وهو أن يأتي الطباق عن طريق فعلين: أحدهما مثبت والآخر منفي، كقوله تعالى: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، (الزمر، 9). أو عن طريق فعلين: أحدهما أمر والآخر نهي، كقوله تعالى: «اصلوها، فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم»، (الطور، 16).

تلخيصا لما سبق، فالطباق، هو الجمع بين معنيين متضادّين، ويأتي عن طريق اسمين، أو عن طريق فعلين، أو عن طريق حرفين، أو عن طريق اختلاف في لفظين، وهو نوعان: طباق إيجاب، وطباق سلب.

تعليق

أُخذ النصّ من كتاب البلاغة العربية في فنونها، للربيز: محمّد علي سلطاني، كان مدرّسا في كلّية الآداب بجامعة دمشق.

مراجع

  • البلاغة العربية في فنونها. الربيز: محمّد علي سلطاني. مديرية الكتب الجامعية، جامعة دمشق، 1400، 1980م. دمشق، سوريا.