معجم المصطلحات الكبير
تناشير
الإعلام والاتصال

كتابة دارجة على قائم في الأماكن العامّة، موجّهة إلى أفراد المجتمع لتبليغه رسالة تحمل معنى اجتماعيا أو عاطفيا أو إعلاميا أو دعائيا أو سياسيا أو نفسيا أو غير ذلك، وتعبّر عن رأي جمهور من المجتمع نحو قضية من القضايا أو تشرح بعض معاناته. والكتابة الدارِجة handwriting هي الكتابة الحرّة التي تُنجز يدويا بالصِّباغ أو الفحم أو الجِِصّ أو بالخدش بأداة حادّة على قائم، والقائم هو وعاء الكتابة أو الرسم الذي لم يوضع أوّل مرّة لهذا الغرض، إنّما تمّ السطو عليه وانتهاك حرمته وصفحته المستوية كمساحات الجُدُر أو الأسوار أو الرُّتُج أو الحُظُر أو حيطان المراحيض وأبوابها أو ما شابه ذلك في الشوارع والأماكن العامّة والطرقات أو أنفاق القُطُرات، كما قد تُنجز أيضا على وسائل النقل كالشاحنات والقُطُرات وهذا النوع من التَّناشير غالبا ما لا يحمل أي رسالة موجّهة إلى الجمهور ويكون الغرض منه في الكثير الغالب إبراز بعض المناظر الفنّية والجمالية فحسب، وهذا التعريف يُخرج من معناه تلك الكتابات التي تحمل الصفة الرسمية، كالرفائف الإشهارية أو التي تؤرّخ للمباني والمنشآت العمرانية.

تفرّق العربية في التسمية بين الكتابات وبين الرسوم الحضرية التي تنجز على قائم لم يوضع أساسا لحمل هذه المضامين، فالخطوط الدارجة التي دأب الناس في تسطيرها على الجُدُر والتعبير بها عن بعض الأفكار التي تعكس المواقف الاجتماعية والتغيّرات العريقة في الإنشاء الثقافي المجتمعي تُسمّى بالتناشير وأصلها في العربية كتابات الصبيان في المكتب، أمّا الرسوم الفنّية التعبيرية فتُسمّى بالتراسيم، بينما تُطلق كلمة graffiti في اللغة الفرنسية وفي اللغة الكلزية graffito على التناشير والتراسيم معا، والكتابات التي تصاحب أحيانا التَّراسيم لا تعتبر من قبيل التناشير إذا كانت عبارة عن تعليقات أو كلمات مرتبطة بموضوع الرسم، أو تشكّل بنفسها فنّا تشكيليا يكون بعيدا عن حمل دلالة سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو حتّى نفسية. ويرى الكاتب «روبنسون» David Robinson 1990 المصوّر الذي أطلق على نفسه اسم مصوّر الشوارع، والذي قادته خطواته إلى حي «سوهو» في هيوستن بأمريكا، وتابع ظاهرة الرسم على الجدر والمعايير الفنّية التي بنى عليها فنانو هذا الحي رسومهم ولاحاتهم، أنّه من المستحيل تصوّر لاحة فنّية بمعزل عن إطارها الواقعي الحياتي، والكاتب في استعماله لمصطلح «graffiti» يحاول توسيع رؤيته للفنّ الذي ارتبط بالكتابة، فهو ينتقل من الكتابة إلى الفنّ ثمّ إلى الرسم، شأن الكثير  ممّن وسّعوا دلالة هذا المصطلح بدءا من «ولكر» walker 1959 إلى «وبستر» webster 1963 ثمّ «كامبن» kampen 1978 في بحوثه عن التناشير في تيكال، غواتيمالا، هؤلاء وسّعوا المفهوم في استعمال معاني الرسومات وتضمينها معنى «الغرافيتي» وفرّق «أندرسون» في بداية دراسته بين معنى الكتابة «graffiti» والرسم «murals» من جانب أنّ الأوّل يختصّ بالتعبير الكتابي ويوكّد على الطبيعة البنائية، والثاني يختصّ بالرسومات ويؤكّد على طبيعة الحجم والرؤية التي يقدّمها الفنّان، ثمّ الأدوات المستعملة، حيث يستعمل التِنْشاري المِرذّة «spraycan» التي تُمسح كتابتها بسهولة وتُزال، ويستعمل التِرْسامي الحُرْتُن pochoir أو المِثْمال pinceau والألوان في رسم لاحته ووضع الأبعاد والمؤثّرات عليها، وقد نجد اليوم بعض التمييز بين الصنفين فيما تقدّمه الدراسات لهذا النوع من التعابير، حيث تُسمّى التناشير باسم graffiti writing والتراسيم باسم street art بمعنى فنّ الشارع أو الفنّ الطَّرَقي المنسوب إلى الطريق على القياس، يوجد نوع آخر من التناشير يُسمّى بالتنامير وهي في الكلزية tags ومعنى كلمة tag نَمّر marquer أي وضع على الشيء نُمَرا، والنُمّرة النُّكْتة والعلامة، وتعني أيضا وَسَم étiquetter أمّا معناها في التناشير فهي توقيع التِّنْشاري أو التِرْسامي يحمل اسمه على شكل خُمْلة فنّية جميلة المنظر تُشبه توقيعات الخطّاطين المسلمين، وهي أقرب إلى المِيعان logo منها إلى الكتابة الحقيقية، ويصعب في الكثير من الأحيان قراءة مضمونها لتداخلها، ويُستعمل في انجازها المِرذّة على الخصوص.

وإذا كانت ظاهرة التناشير قد وُجدت من قبل في الأحافير الإسانية فإنّ دراسة الباحث اللغوي الأمريكي «ريد» Read تعتبر أوّل دراسة أرّخت لظاهرة التناشير وحلّلتها وانصبّت على دراستها في جانبها اللغوي، واهتمّت بتحليل المفردات اللغوية الواردة فيها، وكان ذلك سنة 1928م، وقد أورد «ريد» مجموعة كبيرة من التناشير التي سُطّرت على جدران المراحيض في منطقة غرب الولايات المتّحدة وكندا، وقد اُعتبرت مصادر لغوية لهجية تعكس استعمال الإنسان العادي للتراث اللغوي المحلّي، وتعبيرا ذاتيا بمفردات اللهجة الدارجة المحلّية عن أحواله المُعاشة. كما أنّ علماء الاجتماع اهتموا بهذه الظاهرة ودرسوها من منظور تراثي ونفسي واجتماعي، ووصلت الحد إلى ظهور مدرسة اجتماعية تُعنى بالبحث في التناشير بصفتها ممثّلا لثقافة مجتمع وطرائق تفكيره، وتعكس جانبا من السيرة الذاتية للفرد الذي يكتبها وسيرة المجتمع معه، وملامح التغيّرات الاجتماعية اليومية، وأصبحت موضوعا لدراسات موسّعة في المدارس الاجتماعية الأمريكية، لا سيّما مدرسة نيويورك وعالمها الشهير «روبرت جورج ريزنر» Robert George Reisner (توفي سنة 1974م في نيويورك) حيث ألّف فيها كتبا تتبّع ظهورها منذ آلاف السنين إلى يومنا هذا.

كانت بدايات التناشير الحضرية كظاهرة عامّة في العصر الحديث مع تشعّب مواضيعها في مدينة نيويورك في الستينيات الميلادية من القرن الماضي، في جو مشحون بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية، كان بعض الشباب من الأوساط الشعبية الفقيرة يكتبون على الجدران أسماءهم لا غير، مثل: Taki, Choc, Chic, Sheik واستمر الوضع على هذه الحال مدّة ثلاث سنوات ثمّ انفجر الأمر وأصبح ظاهرة جماهيرية أقلقت السلطات، ثمّ تدخّلت الشرطة لمكافحتها، لم يكن الشباب يكتبون «أوقفوا الحرب في الفيتنام» على سبيل المثال بل كانت تناشيرهم لا تتجاوز كتابة الأسماء، ثمّ شيئا فشيئا أصبحت المواجهة حادّة بين الشباب والقائمين على النظام، ووصلت حدّا أن قُتل الكثير من الشباب خلال مطاردة الشرطة لهم بواسطة الكلاب المدرّبة. لكنّ هذه الكتابات البسيطة ما لبثت أن نضجت وتعقّدت وكبُرت، فمن من مجرّد خطوط عادية، أصبحت خطوطا مُرمَّكة، ثمّ ملوّنة وضخمة ملأت الساحات العامّة وعربات القطار وكلّ مكان يمكن أن يحمل كتابة أو رسما. وفي سنة 1980م خرج بعض الشباب الذين طُردوا من أنفاق القُطُرات إلى الكتابة والرسم على الجُدُر فأنتجوا أعمالا فنّية رائعة أمثال ريتشارد هاملتن Richard Hambleton، كيث هارينغ Keith Haring، جيني هولزر Jenny Holzer، جون فكنر John Fekner. وفي خلال هذه السنة بالذات وصلت التناشير والتراسيم مع حركة «الهب هوب» إلى أوروبا في ظروف تميّزت بالعنف والهجرة المتكاثفة من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية وبالبطالة مع انهيار الأطر الاجتماعية التي كانت تجمع شباب الأحياء الشعبية.

قد تُقَدِّم التناشير بعض النقاط الفنية والجميلة والتعبيرات الإيحائية، إلاّ أنّها تعتبر دائما حالة من البشاعة يصاحبها النفور والرفض من السكّان، بخلاف التراسيم التي تقدّم في الكثير الغالب مواقف جميلة ورؤى انتقادية مثيرة، وتظلّ في المجتمع المتسامح جزءا من الإطار الجمالي للمدينة أو الحيّ، لكن التناشير دائما مدانة من المجتمع وسلطته الرسمية، ويكون الرفض عنيفا إذا كانت تحمل مضامين عنصرية أو توحي بإشارات مجونية. والتناشير مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجتمع، وتعكس بصدق كلّ قضاياه ومشاكله، لأنّها شكل من أشكال التعبير الحرّ، فلا رقابة مفروضة عليها كما أنّها لا تُلزم أحدا، وقد اُعتبرت ثقافة هامشية لبعض الجماعات الخارجة عن الإطار الثقافي الرسمي الذي يطبع ثقافة المجتمع، ربّما لأنّها تنتشر كثيرا في ضواحي المدن وعند الفئات المحرومة والمهمّشة وعند الأقلّيات.

تكثر كتابة التناشير في أوقات التغيير أو توقّع التغيير وفي أوقات الاضطرابات والأزمات، وقد تحتوي التناشير على الشائعات والأفكار التحريضية والعدوانية كالتمييز العنصري والاضطهاد العرقي، أو الأفكار التي تعبّر عن السخط السياسي والاجتماعي، كما تهدف في بعض الأحيان إلى الضغط على المجتمع لزيادة وعيه ببعض قضاياه التي تمسّه في الصميم، كالتناشير التي اُستعملت في الثورة الجزائرية، كانت تدعو إلى الإضرابات ومقاطعة المستعمر وحمل السلاح، وتقلّ في وقت السلم والرخاء الاجتماعي، وتنحصر كتابة التناشير في الكثير الغالب في فئات المجتمع الفقيرة التي تكون هدف الدعاية، وفي فئة الشباب خاصّة. كما قد تُستعمل دراستها في معرفة ذهنياء المجتمع وبعض مكبوتاته الفكرية والنفسية وأوضاعه في فترة زمنية معيّنة، أو في تقييم الحملات الانتخابية ومعرفة حظوظ الفوز فيها. من أمثلة التناشير ما كُتِب في الانتفاضة الفلسطينية: «سنواصل المسير ما دام الأقصى أسير، كلّنا للحرّية إسلام ومسيحية، الإسلام هو الحلّ للقضية وبالجهاد سنقضي على الصهيونية، الحرّية لسجناء الحرّية، الجهاد من الكلمة إلى الرصاصة، نعم للشهادة لا للموت، جاهدوا قتلة الأنبياء». أمّا التناشير الإسرائيلية فكانت على النحو التالي: «يهودي واحد يساوي كلّ العرب، يهودي واحد يساوي أكثر من كلّ العرب، أرض إسرائيل الكاملة، نحن نبحث عنك يا حماس» كتبت فتح «الموت لإسرائيل فليعش عرفات» فقام الجيش الإسرائيلي بمحو كلمتين فأصبح التِّنْشار «الموت لعرفات».

تعليق

الخطوط المُرمَّكة traits avec un contour من الترميك وهو في اللغة أن يُحبس الخطّ بخط آخر يُحيط به، لعلّه مأخوذ من قولهم أرمكه بالمكان أقامه فيه وحبسه.

مترادف

كِتابات جِدارِية

كِتابات حائِطِية

لغة كلزية

graffito
لغة فرنسية

graffiti
مراجع

  • مصطلحات في الإعلام والاتصال. خضير شعبان، دار اللسان العربي. الطبعة الأولى، 1422، الجزائر.
  • شعارات الانتفاضة، دراسة وتوثيق. إبراهيم محمّد، طارق محمّد. المركز الفلسطيني للإعلام.
  • Petite histoire du graffiti : un moyen, d’expression issu de la rue, Alain Lapiower, Analyse n°77-31 décembre 2010. IHOES
  • Graffiti et street art. Étude des discours historiographiques et de la critique esthétique d’une forme sociale de modernité visuelle. Chorong YANG. Thèse de Doctorat. Université Pierre Mendès France. 2014
  • Soho Walls : Beyond Graffiti Paperback. David Robinson, 1990. Thames & Hudson

تناشير وتراسيم على جدار في مخيم جباليا للاجئين شمال مدينة غزّة. تصوير: بولا برونشتاين، مصدر الصورة: غيتي إيماجز.

تناشير في أم قصر المُقاوِمة للاحتلال الأمريكي، وقد سقطت بغداد ولم تسقط أم قصر، وفي الصورة جندي بريطاني كُتِب فوق رأسه تسقط أمريكا. تصوير: إيان ديلي، مصدر الصورة: غيتي إيماجز، نشرها موقع Avaxnews.

تناشير على حيطان مرحاض مطعم في منطقة ويليامزبرغ في بروكلين بورنو في نيويورك، الولايات المتحدة، سنة 2015م. تصوير: شانون ستابلتون، مصدر الصورة: رويترز.

بعض أعمال بانكسي Banksy تعرّضت للتخريب، ونصّ التِنشار «هذه هي لكنتي النيويوركية» 2013م. تصوير: سبنسر بلات، مصدر الصورة: غيتي إيماجز.

تِنْمار، مصدر الصورة: ويكيبيديا.

تِرْسام، للفنان البرازيلي «تينو» يُزيّن جدارًا في قرية الرياض، بجزيرة جربة التونسية، 2014م. تصوير: جويل ساجت، مصدر الصورة: وكالة فرانس برس.

امرأة فلسطينية وطفلاها يمرّون أمام جدار الفصل العنصري الإسرائيلي في رام الله وعليه رسم بانكسي Banksy تصوير: عمّار عوض. مصدر الصورة: رويترز.

تِرْسام، من المفترض أنه للفنان البريطاني بانكسي Banksy شوهد على جدار في بلدة بيت حانون في شمال قطاع غزة في سنة 2015م. تصوير: صهيب سالم. مصدر الصورة: رويترز.

صبي فلسطيني يمرّ بجانب تِرْسام لبانسكي على جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، بالقرب من نقطة تفتيش قلنديا في الضفة الغربية في عام 2005. مصدر الصورة: رويترز.