معجم المصطلحات الكبير
نظرِية الغرْس الثقافي
الإعلام والاتصال

تنشئة اجتماعية خاصّة تتمّ عن طريق التعلّم العَرَضي من مصادر المعلومات الرَّناتية، حيث يكتسب مشاهدوها عن غير وعي منهم بعض الحقائق المعرفية والنفسية، وتُصبح هذه الحقائق أساسا للقيم والصور الذهنية عن العالم الحقيقي. لا يشير مصطلح الغرْس إلى الآثار، فهو لا يشير إلى عملية من جانب واحد، كما لا يجب أن يتداخل مفهومه مع التدعيم Reinforcement حيث إنّ الغرس يغيّر بعض المعتقدات عند الأفراد ذوي الكثافة العالية في المشاهدة، ويحافظ على معتقدات الأشخاص قليلي المشاهدة، ويحدث ذلك من خلال التعرّض التراكمي لعالم الرَّناة، حيث أصبحت الرناة بيئة مشتركة للتعلم الاجتماعي القائم على اكتساب معايير وسلوك واتّجاهات وأدوار اجتماعية التي تفضي في النهاية إلى بلورة الشخصية.

تعود الأصول النظرية «للغرس الثقافي» إلى مشروع المؤشرات الثقافية الذي قام به فريق من مدرسة أننبرغ للاتصال التابعة لجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية بقيادة «جورج جيربنر» George Gerbner لفريق عمل من الباحثين على مدى أكثر من ربع قرن، وكان ذلك نتيجة لفترات من الإضرابات التي شهدها المجتمع الأمريكي بسبب مظاهر العنف والجريمة والاغتيالات، ممّا نتج عنه تشكيل لجنة قومية أمريكية لبحث أسباب العنف في المجتمع وعلاقة الرناة بذلك. وتفترض هذه النظرية: (1) أنّ هناك ارتباطا قويا بين حجم المشاهدة وتصورات المشاهدين حول الواقع الاجتماعي، بحيث تكون الصورة المدركة للواقع لدى كثيفي المشاهدة أكثر ارتباطا بعالم الرَّناة من عالم الواقع. (2) تنفرد الرَّناة بالاستعمال غير الانتقائي من لدن الجمهور، حيث يتشرّب المشاهدون المعاني المتضمَّنة في عالم الرَّناة بشكل غير واعٍ عبر التعرض التراكمي الثابت والمتكرّر لهذا العالم الذي تقدّمه الرَّناة. (3) تقدّم الرناة عالما متماثلا من الرسائل الموحّدة والصور المتكرّرة إلى درجة تجعل المشاهدين يعتقدون أن الواقع الاجتماعي يسير على الطريقة نفسها التي يُصوَّر بها في الرناة. (4) يعتمد الأفراد في المجتمعات المعاصرة لاكتساب الخبرة بشكل أساسي على وسائل الإعلام التي تنتج ثقافة جماهيرية تكوِّن وعيا مشتركا للناس.

ووفقا «لهاوكنز» Hawkins «وبنغري» Pingree فإنّ عملية الغرس هذه تنطوي على ثلاثة عناصر أو عمليات، هي: (1) التعلمّ، حيث تتمّ عملية اكتساب المعلومات بالمصادفة ومن دون وعي خلال التعرّض لمضامين الرَّناة. (2) البناء، أي استخدام المعلومات لتكوين أحكام عن الواقع. (3) التعميم، هو مدى تعلّم المشاهد من المضامين الإعلامية التي يتعرّض لها حول مواضيع الواقع نفسه الذي يحيط به. ويُعتبر «الاتجاه السائد والرنين» هما المفهومان الأساسيان لهذه النظرية، ويعني «الاتجاه السائد» قدرة الرسائل الرناتية من خلال التعرّض المكثّف لها وبما تشتمل عليه من قيم مشتركة ومتشابهة على إذابة الفروق الناشئة من العوامل السكّانية بين أفراد المجتمع وخلق نظرة عامّة تتلاشى في ظلها الاختلافات التقليدية ليحلّ محلّها قدر أكبر من التوافق، وتقليل الفروق بين الواقع الرناتي والواقع الحقيقي، كما أنّ المشاهدة الرناتية المستمرّة تجعل الجمهور متجانسا. أمّا «الرنين» فيرى «جيربنر» وزملاؤه أن تطابق ما يراه الأفراد في عالم الرناة مع الواقع المحيط بهم يزيد من تأثيرات الغرس لديهم، وكأنّهم قد تعرّضوا لوَزْمَتين معا double dose وهذا ما يُسمّى بالرنين. حيث يحدث الرنين عندما يتوافق مفهوم رناتي معيّن مع ظروف اجتماعية خاصّة بالمشاهد، فيتلقّى حينئذ المشاهدون ذوو الكثافات العالية وَزْمةً مزدوِجة من المفاهيم والادراكات تساهم إلى حدّ كبير في إحداث الغرس الثقافي، وهذا ما أكّدته العديد من الدراسات التي أجريت على الذين يعيشون في ظروف عنف غير عادية إلى تضخيم تأثير العنف الرَّناتي عليهم وترسيخ مفهومهم للحياة على أنّها مكان لممارسته.

على الرغم من أنّ نظرية الغرس الثقافي حظيت بتأييد العديد من الباحثين إلاّ أنّ بعضهم قد سجّل عليها بعض الانتقادات منها: أنّ النظرية أغفلت دوافع المشاهدة ولم تعطها الاهتمام الكافي، وافترض «جيربنر» أنّ ذوي عادات المشاهدة الكثيفة الذين يشاهدون الرناة من دون غرضٍ هم أقلّ اختيارا للنهاجل (البرامج) التي يتابعونها، ولم يميّز بين الأشخاص الذين يشاهدون الرناة لغرضٍ والذين يشاهدونها لتزجية الوقت، ومن ثمّ فإنّ الغرس يمكن أن يكون تابعا لمتغيّر الدوافع وليس للتعرّض، وقد بيّن أنصار هذه النظرية بعد الدراسة ومن خلال نتائجها أنّ أثر الغرس يكون أقوى إذا كانت دوافع التعرّض تعوّدية، فالأفراد الذين يختارون المسلسلات بشكل تعوّدي كنشاط ترفيهي يكونون أكثر قابلية لأثر وسائل الإعلام. ورأى بعضهم أن نظرية الغرس تنظر إلى التأثير من حيث الكم أي ساعات المشاهدة دون النظر إلى نوعية النَّهاجِل المشاهَدة. كما رأى البعض الآخر أنّ هناك متغيّرات لم تؤخذ في الحسبان تؤثّر في عملية الغرس مثل السنّ، النوع، قراءة الصحف، المنطقة السكنية، المستوى الاجتماعي والاقتصادي. كما وجد «ووبر» Wober في دراسته أنّ مشاهدة الرناة لا تعمل على غرس الشعور بالخوف مثلا لدى المشاهِد، ولكن سمات الشخصية لدى الفرد هي التي تعمل على تولّد هذا الشعور. ووجه «نيو كامب» New Comb انتقادا حادّا لرؤية «جيربنر» حيث يرى أنّ أفكار الرناة ورموزها التي تتدفّق من الرناة إلى الجمهور لم تصنعها هذه الوسيلة البَلَغِية، وأنّ الأفكار لها تاريخ ومعانٍ في الثقافة السابقة على الرناة، وحذّر من إغفال التجربة الإنسانية والخبرة الشخصية، وتركّزت الانتقادات أيضا على عدم وضوح الآلية التي يحدث من خلالها الغرس، وكيفية تخزين خِبْرة الرناة لتصبح جزءا من الواقع الاجتماعي للفرد الذي تعوّد على مشاهدتها. وعلى الرغم من كلّ هذه الانتقادات، فإنّ هناك باحثون يعترفون أنّ فروض الغرس النظرية المحدِّدة لإطار الغرس ما تزال سليمة وتستحقّ مزيدا من الدراسة.

مترادف

نظرِية الإنْماء الثقافي

لغة كلزية

cultivation theory
مراجع

  • دراما الجريمة التلفزيونية، دراسة سوسيو إعلامية، الربيز: محمد محمد عمارة. دار العلوم، 1429-2008م.
  • الاتصال ونظرياته المعاصرة. الربيز: حسن عماد مكاوي، والربيزة: ليلى حسين السيد. الدار المصرية اللبنانية، 1998م. القاهرة، مصر.