معجم المصطلحات الكبير
أُتْرُور
أشْتات مجتمعات

شعب عاش قديما في أُتْرُورِيا شمال نهر التِّبْر في الجزء الممتدّ من جبال الأبنين شرقا إلى ساحل إيطاليا غربا والذي هو اليوم توسكان وأمبيريا (أميرية) ولاتيوم بإيطاليا، ونظرا للمعتقدات التي آمن بها الأترور ومارسوها كالتنجيم والحِواثة فإنّ معظم الباحثين يعتقدون أنّهم قدموا من الشرق على جهة البحر حوالي عام 800 ق.م، ويُعرف الأترور أيضا باسم الراسْنا وهو الاسم الذي أطلقوه على أنفسهم، ويُعتقد أنه اسم زعيمهم الأوّل أو اسم أحد شعوب الشمال الذين عاشوا في جبال البرانس الوسطى السويسرية، كما قد يكون معناه الرجال فحسب.

منذ عام 1000 ق. م نزح إلى أُتروريا قوم من الشمال، تُعرف حضارتهم باسم الفِلّية الجنوبية، ولكن في أوائل القرن السابع قبل الميلاد حلّ محلّهم قوم من أصل آخر لم يكونوا يحرقون جثث موتاهم بل كانوا يدفنونها في مقابر محفورة في الأرض، وكان فنّهم على درجة عالية من التقدّم خاصّة في استخدام الفلزّات، فمصنوعاتهم من اللبك مشهورة وتشمل أنواعا كثيرة من المرايا الصغيرة حتّى العربات، كما برعوا في صناعة الفخّار والحُلِي والتماثيل، زيادة على ذلك مكّنهم نبوغهم في الفنون الحربية من توسيع سيطرتهم حتّى روما التي كانت في ذلك الوقت قرية صغيرة (نحو سنة 600 ق. م) وسهل لُمباردي والبحر الأتروري (الأدرياتي)، وقد كان ملوك روما من الأترور فبنوا الطرق والمعابد والمباني العامّة في روما، وطوروا فيها التجارة وأدخلوا فكرة المجالس الشعبية، ففي عهدهم تطوّرت روما من قرية مزارعين ورعاة إلى مدينة كبيرة مزدهرة، وبلغت من القوة إلى حد تمكّن السكان من طرد الأترور أنفسهم منها.

هناك مُعضِّلة كبيرة في تفسير لغة الأترور وفهمها وكلّ ما تمّ فيها لا يخرج عن كونه فرضيات لم تبلغ بعد مبلغ الحقائق العلمية الصحيحة، مع أنّ المؤرّخين اكتشفوا ما يقرب من 12000 نقش بهذه اللغة إلاّ أنّ معظمها حديث وموجز ومجزوء في نصوصه (نقوش جنازية، عقود)، واللغة الأترورية لا تنتمي إلى مجموعة اللغات الآرية مثل اللاتينية والإغريقية، ولكن يبدو أنّها اُستعملت فقط في شمال إيطاليا وجزيرة لِمْنُوس في بحر إيجه، وقد نُسبت إلى لغات غامضة من آسيا الصغرى مثل الليدية. تتألّف ألفباؤها من 26 رمزا، وكتابتها من اليمين إلى اليسار وقد اُشتقّت من الإغريقية، والشبه بينها وبين الرموز التي وُجدت على حزا جزيرة لمنوس كبير جدّا. لم يُعرف شعب الأترور إلاّ من خلال ما تركه الإغريق والرومان عنهم في آدابهم وممّا اُكتشف عن حضارتهم من بقايا مادّية في مواقعهم التاريخية، وأبرز آثارهم هي المقابر التي خلّفوها والتي كان الكثير منها مزيّنا بالرسوم الجدارية، وقد حُفظ منها المئات.

تُعتبر تُسْكان عاصمة الأترور الحقيقة، منطقة السهول والأحواض الخصبة، وفيها ازدهرت زراعة نشطة مع هوس شديد بتدقيق التأريف، وبالإضافة إلى زراعة النباتات الموسمية والكِرامة قام الحرفيون بخدمات جليلة لتنشيط حركة تجارية واسعة من خلال إنشاء أسطول أخذ جزأه الأكبر من أخشاب الغابات الكثيرة المتوزّعة على مناطقهم الشاسعة، ثمّ إنّ مناجم الرصاص والفضّة والقصدير خاصّة النحاس والحديد قد شكّلت المادّة الخام الأساسية، فبوبولونيا المواجهة لجزيرة الألب الغنية بالحديد كانت مركزا هامّا لصناعة فلزية ظلّت مزدهرة طيلة قرون حيث زوّدت أيضا الإغريق والقرطاجيين معا. ثمّ ما لبث أن أقام الأترور مدنا محصّنة مثل ترقينيا وفِيتولونيا  وبيروجيا وأعظمها فِياي، وكانت المدن الأترورية تنشأ وفق تخطيط عام قوامه شارعان كبيران متقاطعان مع بعضهما، ومرصوفان بالحجارة فضلا عن إقامة مجار لتصريف مياه الأمطار على الجانبين، وكانت المنازل تُبنى من الطين والخشب، وهي ذات طابق واحد أو طابقين.

تُشكّل المدن الوحدات السياسية للأترور، فقد ظهر إتحادها في بداية القرن السابع قبل الميلاد كما في اليونان، فهناك 12 مدينة يحكم كلّ مدينة طبقة صغيرة من الأشراف اغتنت من تحكّمها بتجارة الخمر وزيت الزيتون والمواد الفلزّية في غربي البحر المتوسط، وفي بعض الأحيان يقوم على حكم المدينة هيئة من القضاة، ومثل التحالفات الإغريقية لم يكن هذا الاتّحاد متينا لدرجة يمنع نشوب الحروب فيما بينها أو يضمن وحدتها في مواجهة الأخطار الخارجية، وقد زال هذا الاتّحاد زوالا تامّا بغزو الرومان لأتروريا الجنوبية (سنة 405- 396 قبل الميلاد).

عبد الأترور الأوثان كما عبدها الإغريق، وأقاموا المجالدات بوصفها تضحيات إنسانية في المآتم والتي أصبحت مجموعة من الممارسات الدينية المعقّدة ثمّ تطوّرت فيما بعد إلى المجالدة الرومانية المعروفة، وقد كان لهم اهتمام كبير بمعرفة الغيب والحياة بعد الموت، فللتنبؤ بالمستقبل قرؤوا أمعاء الحيوانات وشامات الأكباد وزجروا الطيور، وقد تأثّر بهم الرومان في ذلك حيث أصبح جزءا من معتقدهم الديني (منذ زمن الملك كلود)، وفسّروا الظواهر الطبيعية كالبرق والرعد على أساس أنّها علامات تُظهر إرادة الآلهة، فقد كان للملك أو الحاكم مكانة مقدّسة أخذها من قدرته على قراءة هذه العلامات.

في القرن الخامس قبل الميلاد شرع الرومان يبسطون سلطانهم على ما جاورهم من البلدان، وكانوا حتى ذلك الحين في صراع دائم مع الأترور، كانت تنتهي حروبهم معهم بالإخفاق على وجه العموم، وعلى بضعة أميال من روما كانت هناك قلعة أترورية هي فياي، لم يستطع الرومان قط أن يفتحوها، على أن الأترور حلّت بهم نكبة جائحة سنة 474 ق م. إذ دمّر السرقسطيون أُسطولهم، وفي الوقت نفسه زحفت إليهم من الشمال قبائل النُرْد المغيرين، وهي موجة الغالة، فوقع الأترور بين الرومان والغالة فسقطت دولتهم، ثمّ أخذ الرومان فياي وغلبوا على الأترور وتمثّلوهم ثمّ اختفوا من التاريخ.

وهكذا بين القرن السابع والقرن الثالث قبل الميلاد ظهرت الحضارة الأترورية وتألّقت في إيطاليا الوسطى وتوسّعت حتى وصلت إلى سهل البو في كمبانيا، ولكن لم يستطع الأترور أن يوحّدوا إيطاليا بكاملها في ظلّ نظام سياسي واحد على الرغم من قوّتهم وتوفّر السبل المادية والبشرية، وعلى الرغم من بسط سيطرتهم على جزء كبير من إقليم لاتيوم في الشمال وعلى إقليم كمبانيا في الجنوب حيث اتّخذوا مدينة كبوا مركزا رئيسا لهم. كان الأترور آباء للرومان وأساتذتهم ومثلا نظر إليه الرومان بإكبار عظيم إلى أن وقعوا منذ أوائل القرن الثالث قبل الميلاد تحت سيطرة روما التي حفظت إرثهم العريق.

تعليق

الأترور اسم جنس مشتقّ من أتروريا، مفرده أتروري.

الحِواثة من الحوْث وهو عرق الحوثاء للكبد وما يليها، أو من الحوثاء وهي الكبد أو ما يليها، وهي نوع من العِرافة تُستعمل فيها الشامات التي على الكبِد لمعرفة الغيب.

لغة كلزية

Etruscans
لغة فرنسية

Etrusques
مراجع

  • التاريخ الروماني. الربيز : إبراهيم رزق الله أيوب. الطبعة الأولى 1996. الشركة العالمية للكتاب. لبنان
  • الموسوعة الأثرية العالمية، الهيئة المصرية العامّة. سلسلة الألف كتاب الثاني. الإشراف ليونارد كوتريل، تأليف نخبة من العلماء، ترجمة الربيز : محمد عبد القادر محمد ود. زكي إسكندر. مرجعة الربيز : عبد المنعم أبو بكر. الطبعة الثانية. 1997م.
  • موجز تاريخ العالم، تأليف ه، ج. ويلز. ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد.
  • Encyclopédie Hachette multimédia 2005