معجم المصطلحات الكبير
أبو الريْحان مُحمّد بن أحْمد البيْروني
أشْتات مجتمعات

ذكر السمعاني (من نهاية القرن الرابع) في كتاب الأنساب: «البيروني بالباء المفتوحة والياء الساكنة نسبة إلى أحواز خوارزم بحيث أنّ كلّ من كان من خارج المدينة لا من داخلها يُسمّى بيرونيا» ولعلّها بمعناها وحروفها محرّفة من كلمة برّاني العربية وهي عكس الجوّاني أي من كان خارجا. ولد البيروني سنة 362 في مدينة كاث من ضواحي خوارزم، ومن الراجح أنّها كانت تقع على الضفّة اليُمنى من نهر جيحون (أموداريا) في الشمال الشرقي من مدينة خيوة الحالية، والبيروني فيلسوف تياسي وفلكي إراضي ومؤرّخ، لا نعلم كثيرا عن بداية حياته ولا انكبابه على الدراسات العلمية، إلاّ أنّ المعلوم من شأنه أنّه كان يستعمل في السابعة عشر من عمره حلقة مدرّجة لمراقبة ارتفاع الشمس عند خطّ زوال مدينة كاث ويواصل فيها إرصاداته وقياساته، عاش البيروني عصرا سياسيا مضطربا، فاتّصل بأمراء خوارزم من أسرة خوارزمشاه، ثمّ انتقل إلى الرّي، وعلى الرأي الراجح أنّه التقى فيها بالخوجندي واضع «السدسية الفخرية» التي أهداها لفخر الدولة البويهي، ثمّ عاد البيروني إلى كاث، وفي يوم 387/05/09 رصد فيها خسوفا للقمر بعد أن اتّفق مع أبي الوفاء البوزجاني، كي يتولّى هذا الأخير رصد الظاهرة نفسها في بغداد وبناء على فرق الزمن في الرصدين، تمكّن العالمان من تدقيق الفرق في الطول بين مدينتي بغداد وكاث.

وبعد أن استردّ قابوس بن ومشكير حكمه على جرجان عند الطرف الجنوبي الشرقي لبحر قزوين، التحق به أبو الريحان البيروني، وذلك في فترة حكمه التي تتراوح بين سنتي 402/388، فأهدى البيروني قابوس كتاب «الآثار الباقية»، وفي عام 412 أخضع السلطان الفاتح محمود لحكمه وادي الكنج بالقارّة الهندية حتّى مدينة بنارس، ووصل سنة 417 المحيط الهندي. وصاحب البيروني السلطان محمود حيث اهتمّ بالسكريتية وبحضارة الهند، وسافر إلى أقاليم البنجاب وكشمير، ثمّ ما لبث أن أنجز كتابه الموسوعي «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة». وتبادل البيروني رسائل لاذعة مع ابن سينا تشتمل على عشر مسائل تتّصل بنظرة أرسطو إلى «أجرام السماء» وثمان أخرى من وضع البيروني فدار النقاش في هذه الأسئلة والأجوبة حول بعض من أهمّ النقاط الأساسية في «الفلسفة الطبيعية فكان فيها البيروني عالما ومفكّرا مستقلاّ، وابن سينا أبرز ممثّلي المدرسة المشّائية».

وفي سنة 393 كان البيروني بجرجان يصف رصدين لخسوف القمر فيها، أحدهما في 04/08 من هذه السنة والثاني في 10/07، وله رصد ثالث للخسوف في 394/08/07 في جرجانيّة، فيكون قد عاد إلى موطنه في ظلّ المأمون الخوارزمشاه، فألّف له كتاب «تاريخ خوارزم» وسجّل فيه الأحداث المهمّة، ويذكر أبو الريحان هذه الفترة في كتابه تحديد نهايات الأماكن، فيقول: «كنت قد استمتعت ببضع سنوات من الهدوء، حين أذن لي المولى عزّ وجلّ أن أعود إلى بلدي، ولكنّي اضطررت إلى أن أشترك في تصريف الشؤون العامّة، الأمر الذي حسدني من أجله الحمقى وأشفق علي منه العقلاء» لكن المأمون لقي مصرعه بأيدي بعض الثوّار، وأُتيحت الفرصة للسلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي لغزو خوارزم، وتمّ له ذلك عام 408 فأنتقل البيروني مع جمع من أهل العلم واستقرّوا بغزنة في سجستان (أفغانستان اليوم)، ويروي في كتابه «القانون المسعودي» في الحياة والنجوم الذي ألّفه بين 422 و427 وأهداه للسلطان مسعود الغزنوي أنّه قد حدّد خطّ عرض غزنة بسلسلة من الأرصاد أجراها بين عامي 409 و411 بمساعدة السلطان محمود وتمّ له ذلك بواسطة آلة استحدثها بنفسه وسمّاها «الحلقة اليمنية» نسبة إلى محمود  الغزنوي الملقّب بيمين الدولة. توفي البيروني بغزنة سنة 440 عن عمر قدره 77 سنة، وكان له من المؤلّفات ما لا يقلّ عن 150 كتابا، ويرى بعض العلماء أنّها تفوق 180 كتابا، ومن سوء الحظّ أنّ الكثير منها ضاع أو بقي تحت غبار المكتبات الخاصّة، ومن هذه الكتب التي ألّفها البيروني:

- كتاب التفهيم في صناعة التنجيم، وهو كتاب تعليمي على شكل أسئلة وأجوبة، يستعرض فيه المبادئ التي يجب أن يكون الباحث قائما بها في الفلك والهندسة والتنجيم، وله من هذا الكتاب نسختان واحدة عربية والأخرى فارسية.

- القانون المسعودي، وهو كتاب جليل مطبوع يشتمل على 11 مقالة تتضمّن ما يفوق مئة وأربعين بابا، منها وصف إجمالي للسماء والدوائر السماوية المستعملة في علم الفلك، وأنواع الأيّام والشهور والسنين المستعملة في التقاويم وكبس السنين الشمسية والقمرية وجداول تحويل الإحداثات.

- كتاب الصيدنة والمادّة الطبية، مطبوع.

- الجماهر في معرفة الجواهر، مطبوع.

- الآثار الباقية عن القرون الخالية، مطبوع.

- تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن.

- الاستيعاب في صنعة الأسطرلاب.

يُعتبر البيروني أعظم شخصية علمية عاشت في زمنه، وقد طبعت مؤلّفاتُه النثر العلمي العربي بطابع خاصّ في كافّة ميادين المعرفة، في التياسة والهندسة والفلك والفلسفة والتاريخ والنبتنة والصيدنة والإراضة، وبقيت آثار تفكيره العلمي باقية بين علماء الأرض قاطبة، وقد انتقد البيروني النظام البطلمي، وقرّر أنّه ليس من الحتمي أن تُعتبر الأرض مركزا للعالم فيقول: «وإنّ حركة الأرض دوْرا (حول الشمس) ليست بقادحة في علم الهيئة شيئا، بل تطّرِد أمورها معها على سواء.. وقد أكثر الفضلاء من المحدثين بعد القدماء الخوض في هذا الباب، ونظنّ أنّا قد أربينا عليهم في المعاني، لا الكلام، في كتاب مفتاح علم الهيئة». كما سبق بالقول بأنّ وادي السند كان يوما قعر بحر ثم غطّته الرواسب الفيْضية بالتدريج. ولقد بحث البيروني في تقسيم الزاوية غلى ثلاثة أقسام متساوية، وتدلّ كتبه على أنّه ملمّ بعلم المثلّثات، وأنّه يعرف قانون تناسب الجيوب، كما اُشتهر بشكل خاص في القينياء وتوازن السوائل، والملاحظ أنّ الغرب لم يُعن في القرون الوسطى بنقل أعمال البيروني الكبرى، ولم يُترجم عنه إلى اللاتينية سوى بعض الفصول الهامشية التي تعالج التنجيم وفنّ الطلاسم، وبالجملة قد بدت كتبه وآراؤه منغلقة صعبة المنال بالنسبة إلى الغرب المنغمس في دياجير الجهالة، فأتّهمه بالزيف وبالآراء الجوفاء والخرق، ولذا اتّخذه الأدب الفرنسي القديم، حتّى نهاية القرن الحادي عشر، رمزا للبله والبلادة، وصار اسم «المعلّم» البيروني (maître Aliboron) كناية عن الحمار في أقصوصة من أقاصيص لافُنْتان الشعرية.

على الرغم من معرفة البيروني للغة الفارسية وتضلّعه في السريانية والسكريتية، علاوة على لغته الصُغْدِية، فإنّه كان معجبا جدا باللغة العربية، يقول في الآثار الباقية: «لقد نقلت سائر فنون العلوم إلى اللغة العربية، وقد أخذت هذه اللغة بمجامع قلوبنا، واستولى سحرها على ألبابنا، وإن كان كلّ قوم يستعذبون لغتهم لاستعمالهم إيّاها كلّ يوم، وعندما أتأمّل في لغتي أجد أنّ كلّ ما يُترجم إليها يبدو مسيخا غريبا، على حين أنّ هذا الفنّ نفسه إذا تُرجم إلى اللغة العربية يبدو جميلا طبيعيا، أقول هذا مع أنّ اللغة العربية ليست لغتي الأصلية». وكان يقول: «لأن أُهجى بالعربية أحبّ إلي من أن أُمدح بالفارسية». ويروي ياقوت عن النيسابوري من أنّ قاضيا من أصحاب أبي الريحان قال: دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه وقد حشرج نفسه وضاق به صدره، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوما حساب الجدات الفاسدة؟ فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا، أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أُخليها وأنا جاهل بها، فأعدت ذلك عليه وحفظه، وعلّمني ما وعد، وخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ. اُحتفل بمرور ألف عام على ولادته في العديد من البلدان لا سيّما إيران وباكستان، وسُمّي على اسمه أحد المعادن التي اكتشفها علماء أزبيك امتنانا وتنويها إلى بحوثه السابقة في هذا المجال سنة 1378 (1959م) وهو البيرونيت (birunite)، كما أُنجز عن حياته قليد في أزبيكستان في عهد الاتحاد السوفيتي، من إخراج «شوخرات أباسوف»، وكتب السِّراد «السيناريو» المؤرّخ والمستعرب «بافلوف بولغاكوف» المترجم الروسي لسيرة البيروني، وتُحاول العديد من الدول أن تنسبه إليها، وقد امتاز هو بتسامحه المثالي وبتفهّمه للسلوك البشري في مختلف البلدان فكان مثال المؤمن الصادق والإنسانية الخالصة، وفي الواقع هو ممّن ينتمي إلى كلّ الأمم وكلّ العصور.

مراجع

  • لغة الرياضيات، الربيز: محمد سويسي، رسالة ربازة دولة نوقشت بالسربون. دار التونسية للنشر، تونس. المؤسّسة الوطنية للكتاب الجزائر. المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، بيت الحكمة تونس. 1989م.
  • موسوعة عباقرة الحضارة العلمية في الإسلام. أحمد محمد الشنواني. مكتبة دار الزمان. 1426. السعودية.
  • معجم الرياضيات المعاصرة. الربيز: صلاح أحمد، الربيز: موفق دعبول، الربيزة: الهام حمصي. مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1403-1983م. بيروت، لبنان.