معجم المصطلحات الكبير
لهْجمة
اللغة والأدب

التأثير الذي تحدثه اللغة الأجنبية من دون وعي في شخصية بعض الأفراد الذين يتعلّمونها ويتكلّمونها، ويمتدّ هذا التأثير ليشمل العواطف والسلوك والفكر والتصوّرات. إنّ اللغة بما تحمله من أدب وعلم تجعل الشخص الذي يدرسها أو يتكلّمها فريسة سهلة لأن يتشرّب روح حضارتها بثقة عمياء واندفاع كبير، لا سيّما إذا كان ذلك في مرحلة الصغر حيث تكون عقول الناشئة غضّة وطرية وقبل أن يدركوا الجوانب السلبية منها، وتأخذ اللهجمة جزءا من تأثيرها كما يرى البعض من البنية المنطقية التي تبنى عليها اللغة، لأنّ هذه البنية هي التي تؤطّر منطق الأشخاص، فكلّما كانت اللغة أكثر منطقية كان الشخص أقدر على التفكير السليم. واللغة نظام رمزي يرتكز عليه التفكير الإنساني، وهي وسيلة الاتصال والتفاعل وناقلة المعاني والخصائص الفكرية والثقافية وطراز الحياة لكلّ أمّة من الأمم، وقد صرّح الفيلسوف الألماني «أرنست كسيرار، 1953م» Ernest Cassirer: «بأن تحليل لغة ما هو تعرّف مباشر على خصائص التفكير والمعرفة عند القوم الناطقين بها». وقال بنجامين وُورف: «إنّ الفروق القائمة بين صيغ الكلام عند البشر إنّما تُنبئ بالفروق الموجودة بينهم في كيفية إدراك الواقع وتصنيفه». وهذا ما يُعرف بالحتمية اللغوية Déterminisme linguistique، وهي النظرية التي جاء بها الفيلسوف الألماني «ولهالم همبولدت» 1767-1835م Wilhelm Humboldt وأعاد إحياءها في الولايات المتّحدة الأمريكة «ادوارد سابير» Edward Sapir سنة 1929م.

إنّه يُمكن أن نجد تسويغا ما لموقف شخص مثقّف حيال لغته حين يُدرك مدى قصور هذه اللغة، والهوة التي تفصل بينها وبين الحضارة مثل «ليوبولد سنغور» Léopold Sédar Senghor (توفي سنة 2001م) وهو نصير معروف للفرنكفونية في إفريقيا، يُصوّر هذا الإفريقي مزايا اللغة الفرنسية بقوله: «نحن نعبّر عن أنفسنا بالفرنسية، لأنّ لها وظيفة عالمية، ولأنّ رسالتنا موجّهة إلى الشعب الفرنسي وإلى الآخرين.. والهالة التي تُحيط بالكلمات في لغاتنا (أي الإفريقية) هي بالطبيعة هالة من النسغ والدم، أمّا كلمات اللغة الفرنسية فهي مثل الماس تصدر آلاف الأشعة». لكن بما يُفسَّر سلوك تلك النخبة المتنوّرة في الجزائر حيال لغتها العربية الأصلية؟ هذه النخبة التي علفت من الثقافة الفرنسية ولهجت بلسانها، وأصبحت تنظر إلى اللغة العربية نظرة الكره والاحتقار، فمدير مدرسة الإدارة الأسبق في الجزائر «ميسوم الصبيح» الذي عمل مستشارا للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وسفيرا للجزائر بفرنسا حينما سُئل: لماذا لم تُدخل التعريب إلى مدرسة الإدارة؟ أجاب سائله بقوله: «C’est le seul endroit qui reste propre et veulent le salir» أي «إنّه المكان الوحيد الذي بقي طاهرا ويريدون تنجيسه» يقول كيفر (1977م) Charles Kieffer جوابا عن هذا السؤال: «عندما يهتمّ المرء بتحدّث لغة أخرى أكثر فائدة اقتصاديا وفكريا بشكل واضح، فإنّه يهتمّ أيضا بأن يصبح شخصا آخر وأن يجد فرصة عيش أفضل، ومن هنا يكون نوعا من العبث الدفاع عن لغة ووضع عرقي سيكونان مجرّد شَفَاوة (فلكلور) قديمة الطراز». إنّ النخبة المثقّفة باللغة الفرنسية في الجزائر يُمكن أن تكون مادّة خِصْبة لعلماء السلوك الاجتماعي وعلماء الاجتماع اللغوي في دراسة تأثير اللهجمة على حالة الإنسان بكلّ أبعادها العقلية والسلوكية.

تعليق

اللَّهْجَمة في اللغة هي الولوع بالشيء وكذلك تأثير السابلة في الطريق، والمولع بلغة أجنبية يُصبح مُداسا بما تترك فيه هذه اللغة وفي نفسيته وفكره وتصوراته من تأثير يمتدّ إلى أعماق أعماقه، ويُشبه ذلك الطريق الذي تُداوم على سلوكه السابلة فيُوطّد ويلين.

مصطلح قريب

مراجع

  • اللغة والاقتصاد، تأليف فلوريان كولماس، ترجمة الربيز: أحمد عوض، مراجعة: عبد السلام رضوان. عالم المعرفة 263. سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت. شعبان 1421/ تشرين الثاني 2000م. دولة الكويت.
  • التعريب في الجزائر، كفاح شعب ضد الهيمنة الفرنكفونية، عثمان سعدي. 1993م. شركة دار الأمّة، الجزائر.
  • الأسس النفسية والاجتماعية للغة العربية. الشاذلي الفيتوري. اللغة العربية والوعي القومي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية، بالاشتراك مع المجمع العلمي العراقي ومعهد البحوث والدراسات العربية. مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 1984م، بيروت، لبنان.
  • مصطلحات في الإعلام والاتصال. خضير شعبان، دار اللسان العربي. الطبعة الأولى، 1422، الجزائر.
  •  Kieffer, Charles, 1977. The Approaching End of the relict Southeast Iranian Languages ormuri and Parāči in Afghanistan. International Journal of the Sociology of Language 12, 72-100 /in Language and Economy, by Florian Coulmas. Blackwell, Oxford UK & Cambridge USA, 1992