معجم المصطلحات الكبير
بَهْجَرة
الخِطاطة

البَهْجَرة أو الزخرفة الخِطاطية هي الزخرفة التي تصاحب اللاحات والقطع الفنّية وتؤطّر النصّ المكتوب وتبرزه، وتزيّن الأعمال الخطّاطية وترفع من قيمتها الفنّية. تعتمد البهجرة أساسا على التوريق والزمك، اللذين غالبا ما يتمّ المزج بينهما في العمل الفنّي الواحد، والقواعد المتّبعة في هذا النوع من الزخرفة هي نفسها المتّبعة في كلّ الزخارف الأخرى غير الخِطاطية، حيث نجد من بينها.

التوزان : هو القاعدة الأساسية التي يجب توفّرها في كلّ تكوين زخرفي، ويقوم على حسن توزيع العناصر والوحدات والألوان وتناسق علاقاتها ببعضها وبالفراغات المحيطة بها، واستعمال التوازن يشمل جميع المساحات والسطوح من أشرطة وإطارات، الخ.

التناظر : يميّز بعض التكوينات التي ينطبق نصفها على النصف الآخر، حيث يقسّم النصفين محور يُسمّى بمحور التناظر. وهو على نوعين، نصفي إذا كان العنصر الزخرفي مقسّم نصفين، وكلّي إذا كان الشكل الزخرفي مكوّن من عنصر زخرفي واحد مكتمل التكوين، يناظره الشكل نفسه في اتّجاه متقابل.

التشوّع : التفرّع إلى الخارج على شكل خطوط أو مستقيمات من نقطة واحدة أو خطّ مستقيم أو منحن، ومن جانب واحد أو من جانبين، كما في سعف النخل، ونمو أوراق النباتات.

التكرار : من أبسط القواعد في التكوين الزخرفي، إذ بتكرار أي عنصر أو وحدة زخرفية، نحصل على تكوين زخرفي بديع حتّى لو لم يكن ذلك العنصر ذاته جميلا. أكثر أنواع التكرار شيوعا، التكرار العادي، وفيه تتجاور الوحدات الزخرفية في وضع واحد ثابت متناوب. التكرار المتعاكس، وفيه تتجاور الوحدات في أوضاع متعاكسة تارة إلى الأعلى وأخرى إلى الأسفل، أو من اليمين مرّة، وإلى اليسار مرّة أخرى. التكرار المتناوب أو المتعاقب، حيث تشترك وحدتين مختلفتين في تجاور متناوب، مرّة للوحدة الأولى والأخرى للثانية، وهكذا دواليك.

التشابك entrelace : يظهر بكثرة في الزخارف الإسلامية، لا سيّما الزَّمَك والشَّبَص، ففي الزمك يكون مؤلّفا من أشكال هندسية منكسرة متواشجة، تؤلّف أشكالا مثلثة أو مربّعة أو مثمّنة ومنها الأطباق النجمية، ويكون في الشبص على شكل أوراق مجرّدة وسيقان نباتات ملتفّة وملتوية، تتخلّلها أحيانا الأوراق والأزهار.

التوزيع أو الترتيب : يرتبط بحسن التصميم، حيث توضع الوحدات في الأماكن المناسبة التي يجب أن تشغلها كي لا تكتظ في جهة وتخف في أخرى، فوضع الوحدات في مكانها وارتباطها ببعضها ومراعاة سيرها، من الأسباب المهمّة في نجاح موضوع اللاحة الخطاطية وتناسق عناصرها الزخرفية.

التناسب : هو الترابط بين العناصر من ناحية الحجم والمقدار، ويعتمد هذا الأمر كثيرا على الذوق الفنّي الرفيع، وعلى دقّة الملاحظة وقوّة التمييز.

التوشيح : وهو قاعدة أصيلة في الفنون الإسلامية، تتكرّر فيه مجموعة زخرفية مكوّنة من عنصرين أو أكثر، تملأ الفراغات، وتكون متشابكة تشابكا هندسيا متماثلا أو منتظما.

263.jpg

مثال عن التوشيح المستعمل في الفنون الإسلامية حيث نلاحظ عنصرين متراكبين من الزخرفة.

 

في الكثير الغالب ما تتبع البهجرة شكل الكتابة، فقد تكون مربّعة أو مستطيلة أو دائرية إذا كانت الخُملة كذلك، وتبعا لموقع البهجرة في اللاحة تأخذ اللاحة اسما خاصّا بها، مثال ذلك:

اللاحة الداجية : هي التي تملأ البهجرة فيها صفحة اللاحة كلّها بحيث لا يبقى أي هامش أبيض. والداجية من الدجو وهو إسباغ الشيء، ويُقال دجا الشيءَ ستره، والإسلامُ البلادَ غطّاها وعمّها.

اللاحة المُقصِّرة : تتوزّع فيها البهجرة على صفحة اللاحة وتتركّز في الوسط بينما تظلّ الهوامش خالية منها. والمقصّرة لأنّها قصرت عن تغطية الهوامش.

اللاحة المُثمَّدة : وهي التي تكون البهجرة فيها على شكل وحدة زخرفية صغيرة غير مكرّرة تكون في نهاية الخُملة أو بجانبها أو تسد فراغ استمدادات الحروف فحسب، بينما تبقى اللاحة كلّها خالية من الزخرفة. والمثمّدة من الإثمد، فالزخرفة في اللاحة كالإثمد في عين المرأة.

اللاحة المُحتّرة : اللاحة التي تكون فيها الكتابة مؤطّرة، سواء أكان التأطير عبارة عن أشكال هندسية، أو يضمّ مع ذلك بعض الزخارف النباتية. والمحتّرة من الحِتار وهو ما أحاط بالشيء وضمّه.

اللاحة المُعطَّلة : هي التي لا تضمّ إلاّ الخملة ولا تلحقها أي بهجرة. والكلمة مستعارة من قولهم تعطّلت المرأة نزعت عنها زينتها وحَلْيها، وامرأة عاطل لم يكن عليها حَلْي ولم تلبس زينتها. وتُسمّى أيضا اللاحة الغانية أي غنيت بجمال خطوطها عن البهجرة.

اللاحة البَهْجَرية : اللاحة التي لا تضمّ أي كتابة خِطاطية ولا تحتوي سوى على زخارف فنّية، كالزمك والتوريق. أمّا اللاحة المبهجرة فهي اللاحة الخطاطية غير المعطّلة.

اللاحة المركّبة : التي تضمّ نوعين معا، كأن تكون محتّرة وداجية، أي أنّ الكتابة تكون محاطة بإطار، وفي الوقت نفسه تسبغ البهجرة على اللوحة كلّها خارج الإطار، ومثلها أيضا اللاحة المحتّرة المقصّرة. 

137.jpg

 نماذج للّاحات الخطاطية وعلاقتها بالبهجرة، فمن اليمين إلى اليسار في الأعلى، نجد: اللاحة الداجية، اللاحة المثمّدة، اللاحة المُحَتّرة، اللاحة المعطّلة، اللاحة المقصّرة، اللاحة البهجرية.

علاقة الخطاطة بالزخرفة علاقة قديمة جدّا في الفنون الإسلامية فقد وجدت فيها أوّل مرّة من بدايات ظهور الخطاطة، فقد كان الخط الكوفي الذي ظهر في القرن الأوّل الهجري خطّا زخرفيا في أساسه، فهو خطّ يابس ينحو إلى التربيع والتضليع وقوامه أشكال هندسية بحتة، يعتمد جماله على تعامد الحروف وتقابلها وتماثلها في التركيب، وأتاحت هذه الصفات للخط الكوفي المزاوجة بينه وبين البهجرة، المتمثّلة فيما عرف من الزخارف الإسلامية المشكّلة أساسا من الزَّمَك والتوريق، مع سيطرة هذا العنصر الأخير على الخطّ الكوفي، فأكسبته مسحة من اللين والمرونة في المظهر العام، بينما بقيت الكتابة محافظة على صلابتها ويبوستها وجفافها. وقد بدأت تظهر بوادر الزخرفة على الخط الكوفي في القرن الثاني الهجري، عندما أخذت نهايات حروفه تعرض وتتفطّح، منتهية بشكل مثلث مهّد للحروف اتصالها بالأشكال النباتية. بدأ التزاوج بين الخطّ الكوفي والتوريق في مستهلّ القرن الثالث، وشاع وانتشر في أواخر القرن الثالث والقرن الرابع، كما في الكتابات التي وُجدت على مسجد أحمد بن طولون في مصر، فظهر الخطّ الكوفي المورّق الذي تلحقه زخارف تشبه الوريقات النباتية المتنوّعة الأشكال، تنبعث من أصابعه ومن الحروف المستلقية لا سيّما الحروف الأخيرة. كما ظهر أيضا الخطّ الكوفي المضفّر الذي بُولغ في تعقيده أحيانا إلى حدّ يصعب فيه تمييز العناصر الخطّية من العناصر الزخرفية، وقد تُضفر حروف الكلمة الواحدة، كما تُضفر كلمتان متجاورتان أو أكثر لكي ينشأ من ذلك إطار جميل من التضفير، وقد يُزاوج أحيانا بين التوريق والتضفير، فينشأ عن ذلك تنوّع فنّي كبير وثراء في القيمة التشكيلية. ثمّ ظهر الخطّ الكوفي المُخمَّل الذي يتميّز بمِهاد من الزخارف النباتية المستقلّة عن الكتابة، قوامه فروع النبات اللولبية وسيقانه وأوراقه، تشغل كلّ فراغ يتخلّف عن الكتابة. وقد ظهر هذا النوع من الخطّ منذ القرن الخامس الهجري.

ترك لنا الفنّ الفارسي مخطوطات وقطعا فنّية تعتبر إحدى الثروات النادرة في فن البهجرة، وقد وقف الفرس في تاريخهم الطويل في مركز وسط بين الواقعية اليونانية والتجريد الشرقي، وارتبط هذا الفنّ عندهم في إبداع تركيب الخطوط، ورسم الأشكال المنتظمة والمتناسقة، مع جمال الحبك وبهجة الألوان، وغنى المادّة، ومن المعلوم أنّ الفنون جميعها برزت في تبريز في عهد الدولة الصفوية والتي ورثت مدرسة هراة، فكانت القطع الخطاطية التي أنجزت في هذه الفترة تتّسم بالجودة والإتقان، وكانت تكتب القطعة بالخط الفارسي في سطور مائلة، بينما يركن في أعلاها جهة اليمين وفي أسفلها جهة اليسار مثلّثان، غالبا ما لا يُكتب أي شيء في المثلّث الأعلى، بينما يحمل المثلّث الأسفل عبارة كتبه العبد المذنب أو العبد الفقير واسم الخطّاط غفر ذنوبه، ثمّ سنة الكتابة، أو ما شابه هذه العبارات، وتكون القطع مستطيلة، تتوضع على مِهاد يحمل زخارف شَبَصية أو محاط بإطار مُورَّق.

لم تكن للأتراك أساليب موروثة في فنون الزخرفة والتذهيب في أوّل أمرهم، بل كان اعتمادهم الكبير على مصوّرين وخطّاطين هاجروا إلى تركيا من فارس، وعلى أكتافهم قامت الزخارف الفنّية التركية. ومن بين الفنّانين الإيرانيين الذين عملوا في استنبول، المصوّر شاه قولي، الذي وصل إلى مكان الصدارة في بلاط سليمان القانوني (1520-1566م) والمصور ولي جان التبريزي تلميذ سِياوُش الذي قدم الآستانة سنة 1587م، وأصبح من مصوّري البلاط العثماني، وقد رسم شاه قولي أوراق الساز وهي أوراق كبيرة مقوّسة. كما ساهم الفنّانون الإيرانيون الذين اُستخدِموا في البلاد التركية في تصوير بعض المخطوطات، مثل «تاريخ سلاطين آل عثمان»، وكتاب «سليمان نامه» وهو مجموعة قصصية كتبها الفردوسي من بروسة للسلطان بايزيد الثاني (1481-1512م). وقد استعمل الفنّ التركي التوريق على شكل القرنفل والخزامى والسوسن والورد غيره من الأزهار، واستعمل من الألوان اللونين الأخضر الزاهي المائل إلى الاصفرار والأزرق بكثرة غالبة، فضلا عن اللون الأزمج (البرتقالي) المحبّب لدى الأتراك كثيرا، ولمّا ازدهرت المحضرة الخطاطية التركية ازدهر معها فن البهجرة أيضا، وتعتبر اللاحات التي أنجزها الفنّان التركي في غاية الروعة من حيث جودة الخطّ وحسن الزخرفة والتلوين. وأصبح الفن التركي الخطاطي والبهجري في العصر الحديث قمّة لا تُطال في العالم الإسلامي، لا سيّما بصعود حزب العدالة والتنمية، الذي شجّع الفنون الإسلامية ونفخ فيها نفسا جديدة. بل إنّ البهجرة نفسها أصبحت فنّا قائما بذاته وانفصلت عن الخطاطة، وتدرّس بمعزل عن تعلّم الخطّ وأنواعه، والخطّاط المجوّد لا يكتمل عمله إلاّ إذ زخرفه بهجري مجوّد أيضا.

تعليق

يجب ألاّ يُخلط بين البهجرة والمنمنمات التي هي الصور المزيِّنة للمخطوطة الشارحة لما ورد في نصوصها. البَهْجَرة من البهجة وهي حُسْنُ لون الشيء ونضارته، والراء فيها للإلحاق. و يُسمّى المزخرف الذي يزيّن الأعمال الخِطاطية مُبَهْجِر، وهم مبهجرون، وهي مبهجرة، وهن مبهجرات. التشوّع rayonnement.

مترادف

زَخْرفة خِطاطية

مصطلح قريب

مراجع

  • الفنون الزخرفية. محي الدين طالو. دار دمشق، الطبعة الأولى 1986م. دمشق، سوريا.
  • دراسة في تطوّر الكتابات الكوفية على الأحجار، في مصر في القرون الخمسة الأولى للهجرة، مع دراسة مقارنة لهذه الكتابات في بقاع أخرى من العالم الإسلامي. الربيز: إبراهيم جمعة. 1969م. دار الفكر العربي، القاهر، مصر.
  • معجم الكتابة. خضير شعبان. الطبعة الأولى، 1419. دار اللسان العربي، الجزائر.
  • الفنون الإسلامية. تأليف: م. س. ديماند، ترجمة أحمد محمّد عيسى. دار المعارف بمصر، 1953م. مصر.

لاحة مثمّدة من عمل الخطّاط الأردني علي الجيزاوي، سنة 1437.

لاحة داجية مُحتّرة. مصدر الصورة: turkislamsanatlari.istanbul

تعتبر المحضرة الخطاطية التركية الأكثر إبداعا في فنّ البهجرة، لا سيّما في العصر الحديث لمّا تسلمّ حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم في تركيا، فقد بعث الفنون الإسلامية من رقدة دامت قرنا من الزمان. وفي الصورة إحدى المبهجِرات التركيات في أثناء عملها. مصدر الصورة: وكالة الأنباء الكويتية، كونا.

صورة للمبهجرة والخطّاطة التركية: أمينة سوسوي Emine Süsoy وهي في عمل على إحدى لاحاتها الخِطاطية. مصدر الصورة: وكالة الأنباء الكويتية، كونا.