معجم المصطلحات الكبير
عالَمِيات حَضارِية
الفكر

العالمية الحضارية هي خروج حضارة محلّية من الخصوصية الإقليمية إلى الوحدة العالمية، ولم تتحقّق هذه النقلة الحضارية على امتداد التاريخ البشري إلاّ من خلال ثلاث عالميات حضارية كبرى، استطاعت أن تستوعب شعوبا كثيرة مختلفة الأعراق واللغات، وامتدّت على مساحات شاسعة، حيث تركت إنجازاتُها في المجالات المختلفة كالسياسة، والفلسفة، والعلوم، والثقافة، والفنون، أثرا عميقا امتدّ إلى جميع أنحاء العالم، وكانت في الوقت نفسه الأسيس الذي تشكّلت عليه كل حضارة أعقبت أختها. نشأت هذه العالميات الثلاثة كلّها حول حوض البحر المتوسّط، في تبادل وتعاقب بين الضفة الشمالية والضفّة الجنوبية. تبدأ الحضارة في منطقة معيّنة من البحر المتوسّط حيث تزدهر فيها الفنون والعلوم والصناعات والفكر، وتسود على منطقة مترامية الأطراف، ثمّ يعقبها بعد ذلك ظهور قوّة عسكرية متطوّرة، تظهر في أحد الشعوب التي انضوت تحت الحضارة الأصلية، حيث يستحوذ هذا الشعب على الإبداع الفكري والعلمي للحضارة، ثمّ يسيطر به على المنطقة كلّها بما فيها الشعب الأصلي الذي أقام الحضارة، وفي هذه المرحلة تشهد الدولة الجديدة توسّعا كبيرا، إلاّ أنّها تخلو تماما من الفكر والإبداع والتطوّر العلمي، وتصبح الدولة عبارة عن كتلة حديدية ضخمة، تنمو عضلاتها نموا مفرطا على نحو تتوضّع فيه عضلتها الكبرى في الرأس، ويصبح الجيش في المناطق المفتوحة هو أداة الحرب وأداة الحكم في الوقت نفسه، لذلك لا يوجد صدام حضارات أو تعايشها أو تعدّدها، بل هيمنة حضارية.

البحر المتوسط والعالميات الثلاثة

كان أوّل ظهور لعالمية حضارية في التاريخ البشري هو العالمية اليونانية التي نشأت في المنطقة الشرقية الشمالية من حوض المتوسّط، كانت الوحيدة من بين الحضارات القديمة التي استقطبت الفكر العالمي آنذاك واستحوذت على الحضارات الإقليمية المتمثّلة في الشعوب المُطِلّة على البحر المتوسّط وشعوب الشرق الأدنى، في حين أنّ أوروبا الغربية كلّها كانت خارج نطاق هذه العالمية، والمراد بالعالمية هنا هي المرجعية التي تؤطّر الواقع الحضاري للمجتمعات، والمرجعية التي قدّمتها الحضارة اليونانية هي اللغة اليونانية والأنساق الفكرية التي طرحتها أوّل مرّة والمتمثّلة في الفكر الفلسفي. على الرغم من أنّ اليونانيين استطاعوا أنّ يضمّوا فارس والهند ويدخلونهما إلى هذا المدّ العالمي، إلاّ أنّ فارس والهند لم تُسهما في أي إنتاج فكري أصيل ترك تأثيرا مباشرا على الفكر السائد آنذاك، وظلّت أنساقهما الحضارية والثقافية بعيدة عن التأثير والتأثّر، لأنّ مناطق اِلتقاء القارّات الثلاثة والتي يفصل بينها البحر المتوسّط هي التي كانت وما زالت مَحَاط التناوب الحضاري بين العالميات الحضارية في مراحل التطوّر البشري من الخصوصية الإقليمية إلى الوحدة العالمية. والواقع أنّ العلم اليوناني لم يلمع إلاّ لفترة قصيرة جدّا، فقط في أيّام أرسطو ثمّ سرعان ما ذبل ومات تحت ثقل الأسطورة على العقل منذ بداية الحقبة الرومانية. وأصبحت روما بعد اليونان دولة عسكرية ضخمة، وقد نظر اليونانيون إلى الرومان الذين وقعوا تحت سيطرتهم على أنّهم بدو وهمج، وكانوا يهينونهم دائما ويوسعونهم تعييرا، وإذا أرادوا الحطّ من قدرهم أكثر كانوا يشيرون إليهم بأنّهم برابرة و«أوبيكوي» opikoi، وقد اشتكى من ذلك «السِّناتور» الروماني «ماركوس كاتو» الذي يُضرب المثل بتشدّده، فقال عن اليونانيين: «إنّهم يستمرّون في تسميتنا برابرة، ويهينوننا ببذاءة أكثر من الآخرين بإطلاق اسم أوبيك opic علينا»، وبسبب هذا التعيير الشديد حاول الرومان أن يتشبّهوا باليونانيين في كلّ شيء، وأن يتخلّصوا حتّى من جلبابهم ليصبحوا يونانا ولا تنطبق عليهم صفة المتوحشّين الجهلة.

 ثمّ جاءت الحضارة الإسلامية حضارة دينية عالمية مستوعبة العالم بين المحيطين، الأطلسي غربا والهادي شرقا وهو حوض الحضارات التقليدي في الوسط من العالم، ومرجعيتها اللغة العربية والدين الإسلامي مع القرآن الكريم الذي استرجع التراث الديني للأمم السابقة، استرجعه بالنقد والتقويم والتصحيح والهيمنة، وقد نشأت هذه الحضارة في الجهة الشرقية الجنوبية من المتوسّط، وامتدّت أوّل مرّة في مناطق العروبيين في الأصقاع الوسيطة من العالم القديم، ثمّ توسّعت لتضمّ ما يُعرف بالأمّيين من «الأندوس» في السند شرقا إلى «القارون» في فرنسا غربا، وانتهت هذه العالمية الإسلامية بظهور الأتراك العثمانيين على مسرح الأحداث، قوّة عسكرية لا نظير لها في وقتها، واعتبر هذا الظهور نهاية العطاء الفكري والإبداع العلمي للحضارة الإسلامية.

ثمّ أعقبتها الحضارة الأوروبية المعاصرة، حيث نشأت في الضفّة الغربية الشمالية من البحر المتوسّط، وامتدّت في العالم كلّه، متداخلة مع أنساقه الحضارية والفكرية والثقافية، مشكلّة مركزية جاذبة له. محاولة في البدء جعل المسيح في مقدّمة هذا الزحف وأن تضيف إليه شيئا من مارلو وغوته وفولتير وليسنغ ومونتسيكو وشكسبير، ولكن النهاية لم تعرف سوى فاوست وبرومثيوس، انتهت الحضارة الغربية اليوم بظهور الولايات المتّحدة الأمريكية، كتلة عسكرية جبّارة لم تعرف لها البشرية نظيرا في تاريخها الطويل، ويعتبر هذا الظهور دليلا على انتهاء دورة حضارية كبرى، وإرهاصا لبداية ظهور عالمية حضارية جديدة، والتي ستستوعب كلّ التراث العلمي للعالمية الأوروبية وتعيد صياغته من جديد، لتنشأ أوّل دولة فَوْقَمية (فوق قَوْمية) على وجه الأرض، في ظلّ عالمية حضارية ستضمّ البشر جميعا.

وحدة الأنساق الحضارية

ارتبطت كلّ هذه العالميات الثلاثة بنسق حضاري واحد، وهو ما تعلّق بالتجربة والمشاهدة والتنظيم، وما عرفته البشرية كلّها، أي نِتاج الجدل القائم بين الإنسان والطبيعة، أو ما يعرف بحضارة البعث والإحياء، وليس حضارة الخلق والإبداع، والتي تتفرّد بها كلّ حضارة عن الأخرى مثل ما كان الإسلام مصدره الوحيد. لذلك كان نسق الحضارة اليونانية هو نسق العاهِلية المصرية والعاهلية البابلية، وهو نسق العاهلية الرومانية والبوزنطية فيما بعد أيضا، فكلّ دولة من هذه الدول كانت تخلف سابقتها من دون تغيير في هياكلها الثقافية والاجتماعية، حيث توالى الاستقرار والاستمرار من دون انقطاع من الفرعون الأوّل مانيس الذي ملك في الألف الخامسة قبل الميلاد وليس انتهاءً بالاسكندر المقدوني، وقد كان هذا الاستمرار ثقافيا وفكريا واقتصاديا، كما أنّ المرحلة البوزنطية كانت عبارة عن تراث الشرق الديني القديم الذي اختلط بالوثنية الهيلينية الرومانية والمصرية القديمة. لأنّ هذه الحضارات نشأت جميعا في المناطق الإراضية نفسها، فالتِّياسيون اليونانيون على سبيل المثال كانوا في الأصل من سكّان الأراضي التي وقعت تحت السيطرة اليونانية مثل أرخميدس ومانالاوس وبطليموس الذين كانوا من رعيل مدرسة الإسكندرية القديمة في العصر البطلمي، فأرخميدس على سبيل المثال سُرَقُسي (Syracuse) وبطليموس ومانالاوس مصريان خالصان وإن كانا يحملان أسماء إغريقية. يقول بيير روسي: «بناء على هذا، لا تجوز المبالغة في تقدير التِّياسة اليونانية، والحقيقة تفرض علينا أن نقول إنّ التياسة اليونانية التي انتهى إلينا اسمها، تياسة عربية كلها من دون استثناء، كانت لغتها العلمية هي اليونانية، ولكن نسبها يرجع إلى مصر أو إلى آسيا الصغرى. وكما سنوضّح ذلك فيما بعد، كانت الاسكندرية المركز الأكبر للتياسة في العصور القديمة، وقد ورثت تجربة طيبة وصور وسارد وبابل، وكان أوكليد وديوفانت مصريين. هذا ولم تخبرنا حوليات أثينا وكورنث والبوليبونيز أو بيوتيا بذكر أي تياسي أو رجل من رجال العلم، ومن الغريب أنّ هذا القصور لم يلفت قط الانتباه، نظرا إلى أنّنا مبهورون بالفنّ والفلسفة والمُثُل اليونانية. وقد نشأت علوم الحيوان والنبات والمعادن التي أُعجب بها أرسطو وبلين الأوّل، في بلاد ما بين النهرين، حيث تمّ منذ الألف قبل الميلاد تصنيف وتقييد عوالم الكائنات بكلّ دقّة، وكذلك الأمر بخصوص اكتشاف التشريح».

فالفلسفة اليونانية، ما هي إلاّ الفكر الشرقي القديم فتأثيل كلمة philosophos يُعطينا كلمة «الكشوف»، حيث سقطت منها الكاف مع تلتّب الحرف «ph» في أوّلها، فصيغتها الأصلية ph-il kosoph-os أي il kosoph، وهذه هي نفسها العِرْفانية الصوفية التي تتعامل مع القلب بدلا من الفكر، والتي بقيت حتّى ظهور الإسلام، والمعروفة «بالكشف»، الذي يأتي عن طريق «الكشوف» القلبية والإلهام الرباني، حتّى كلمة صوفي في العربية ما هي إلاّ الشقّ الثاني لكلمة «فيلو-صوفي»، والصوفية في الأساس اعتقاد في إمكان الاتحاد المباشر بين العقل الإنساني والمبدأ الأساسي للوجود، وأيّا كان ذلك المبدأ. لم يأخذ العرب في أوّل أمرهم العلوم عن الإغريق فقط، فقد أخذوا أيضا عن الهنود والفرس والسريان، وترجموا كتب هؤلاء الأجانب، وقد أسلم أبناء هؤلاء الشعوب وشاركوا العرب حياتهم وحضارتهم وأبدعوا معهم في العلوم كلّها، ونزع الإسلام من قلوب العرب عقدة التكبّر نحو الأجانب، ثمّ سار الأمر على هذا المنوال حتّى أصبح الأجانب ملوكا على العرب وسلاطين، لذلك كانت الحضارة الإسلامية نتاج شعوب كثيرة ربطت بعضهم ببعض أخوّة الدين وعلائق اللغة العربية.

ثمّ تسلّمت أوروبا من المسلمين تراث العالم كلّه محفوظا ومفهرسا ومجدّدا، لكنّها لم تعترف بهذا الفضل، وتنكّرت للحضارة الإسلامية بطريقة عنصرية غريبة، معلنة ارتباطها بالهيلينية والرومانية كأساس تاريخي لمشروعيتها الحضارية، بل أعلنت تفوقها العنصري على سائر الشعوب. يقول محمّد أسد لتفسير هذا الجحود: «لا تجد موقف الأوروبي (من الإسلام) موقف كره في غير مبالاة فحسب كما هو الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل هو كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدود من التعصّب الشديد، وهذا الكره ليس عقليا فحسب، ولكنّه يصطبغ أيضا بصبغة عاطفية قويّة. قد لا تتقبّل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنّها تحتفظ دائما فيما تعلّق بهذين المذهبين بموقف عقلي متّزن ومبني على التفكير، إلاّ أنّها حالما تتجّه إلى الإسلام يختلّ التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرّب، حتّى إنّ أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزّب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في جميع بحوثهم على الأكثر كما لو أنّ الإسلام لا يمكن أن يُعالج على أنّه موضوع بحتٌ في البحث العلمي... لقد استفادت أوروبا أكثر ممّا استفاد العالم الإسلامي، ولكنّها لم تعترف بهذا الجميل، وذلك بأن تُنْقِص من بغضائها للإسلام، بل كان الأمر على العكس فإنّ تلك البغضاء قد نمت مع تقدّم الزمن ثمّ استحالت عادة، ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبي كلّما ذُكرت كلمة مسلم... وأغرب من هذا كلّه أنّها ظلّت حيّة بعد جميع أدوار التبدّل الثقافي»، أمّا فؤاد سزكين، فيفسّر هذا الجحود بقوله: «لقد كان اللاتينيون مضطرّين إلى أخذ المعارف، وإلى أخذ أنظمة المؤسّسات المختلفة، وإلى أخذ أساليب الجامعات ونهاجلها من الأعداء (العرب) السياسيين والدينيين. لقد كانوا يشعرون بشعور المعاداة والبغضاء تجاه من يأخذون عنهم، وانعكس ذلك على عملية الأخذ بصورة عُقَدٍ نفسية، وطبيعي بعد هذا أن يفقدوا عنصري الوضوح والصراحة، وهما العنصران الأصليان عند عملية أخذ العرب من الآخرين».

كان تراث أرسطو يقع ضمن العصور القديمة، وكان تراث الحضارة الإسلامية يقع ضمن العصور الوسطى، وتراث الحضارة الأوروبية يقع في الحداثة الحالية، ولا يمكن للمفكرين أو العلماء قديما أن يخترقوا السقف المعرفي لأزمانهم، ولكن لا ينقص أبدا ذلك من قيمة عطائهم الحضاري، فلم تكن المخترعات الصنعيائية قد ظهرت، ففكر أرسطو لا يمكن أن يقارن بالفلسفة الإسلامية كما أن القوانين اليونانية والرومانية لا يمكن أبدا أن تقارن بالمدوّنات القانونية المستمدّة من الشريعة الإسلامية. طب ابن سينا لا علاقة له بالطب الذي نعرفه اليوم، وكيمياء جابر ابن حيّان لا علاقة لها بالكيمياء العضوية والخلوية الحديثة، لقد كانت الأدوات والمصطلحات والمنهجيات مختلفة تماما. إنّ اكتشاف المجهر فقط يُعتبر في حدّ ذاته ثورة علمية كبيرة، على الرغم من بساطته الشديدة، فقد نتج عنه تطور هائل في علوم الأرض وفي الطب وعلم الجراثيم، وعلم الأوبئة، وتصنيف الأحياء، لأنّ الأحياء الدقيقة تقع في عالم آخر لو قدّر لعلماء القرون الوسطى اكتشافه لتغيّر العالم الحديث. كما أن عوالم أخرى موجودة بيننا اليوم لم نكتشف فقط وسيلة الوصول إليها، ولو قُدّر في المستقبل حدوث أي تطوّر في هذا الجانب لسوف تتغيّر منظومتنا المعرفية كلّها، ويصبح ما نعرفه اليوم عتيقا وباليا تماما كما ننظر نحن إلى العلوم القديمة.

تكمن أهمية أولئك الذين سبقونا فيما أكّد عليه «لودفيك فليك» المتخصّص في دراسة تاريخ العلوم ونظرية المعرفة، الذي يقول: «إنه لا يوجد ابتكار تلقائي للمفاهيم، هذا هو السبب في أن البحث الجديد يبدأ عادة -وإن لم يكن دائما- من الأفكار الأوّلية التي غالبا ما تكون ذات طابع ديني أو فلسفي، والتي كانت موجودة قبل قرون من اكتساب الشخصية العلمية. على سبيل المثال، قبل كوبرنيكوس بفترة طويلة كانت هناك فكرة أولية عن نظام مركزية الشمس، وقبل لافوازييه كانت هناك فكرة عن العناصر الكيميائية، وقبل دالتون كانت هناك فكرة عن الذرة، وقبل «ليوينهوك» Leeuwenhoek كانت هناك فكرة عن «الميكروب». الأفكار الأولية غامضة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها صحيحة أو خاطئة في الفهم العلمي، على الرغم من أنها كانت صحيحة بالنسبة لأعضاء الجماعات الفكرية في عصرها، لكنها تصبح نقطة انطلاق للبحث والتحقيق». العلوم الحديثة التي تطوّرت تطورا كبيرا في العالمية الأوروبية ليست هي نهاية العلم، ما زال العلم يجهل الكثير، فالوباء الذي ضرب العالم اليوم والمعروف «بكوفيد» 19، لم يكشف عن عجز أقوى دولة في العالم وهي أمريكا فحسب، بل دلّ أيضا على عجز العلوم الغربية في مواجهة الكوارث والتحدّيات الكبرى التي يواجهها الإنسان، كما بيّن أيضا أنّ حصانة أمريكا مجرّد وهم، فقد كان يموت لها كلّ يوم 2000 مواطن، لأوّل مرّة بدأ العالم يرسل إلى أمريكا مساعدات عاجلة. إنّ أعظم إنجاز يمكن أن يحقّقه العلم في المستقبل، هو اكتشاف أسرار الطاقة، وهذا الأمر بعيد المنال عن الحضارة الغربية اليوم، بل هذا سيكون مجال الحضارة القادمة التي ستسود العالم.

العالمية اليونانية

لا جرم أنّ الحضارات الإنسانية هي ميراث الشعوب كلّها، شاركت فيها أقوام كثيرة وعلى مراحل متعدّدة يأخذ بعضها من بعض، فيضيف اللاحق على السابق، والقول الشائع عند الغربيين إنّ الناس عاشوا قديما عالة على الحضارة اليونانية واليوم عالة على الحضارة الغربية وإنّ هذين الحضارتين نبتتا فقط من تلك العبقرية الفذّة التي تمتّعت بها الشعوب الأوروبية، فهذا ما يُقال له «اِمبريالية المقولات» فالأسباب التي دعت الأقوام إلى الأخذ من هذين الحضارتين، هي الأسباب ذاتها التي دعت اليونانيين من قبل والغربيين إلى الأخذ ممّا عند غيرهم، لقد أمضى العالم الدانماركي «أوتو نيوجباور» Otto Neugebauer حياته من القرن الماضي في تفنيد هذه الفكرة والإطاحة بها، إلاّ أنّه في نهاية المطاف كتب قائلا ويائسا: «كلّ محاولة لربط إنجازات الإغريق بما قبلها من الأمم الأخرى تصطدم بمعارضة حادّة، وليس هناك من يرضى بتعديل صورة وضع الإغريق التي اعتاد عليها، على الرغم من كلّ الدراسات التي أثبتت.. أنّ ألفين وخمسمئة من السنين سبقت عصر اليونان وفيها إنجازات شتّى تضعهم في منتصف تاريخ العلوم وليس في أوّله». إنّ معرفة القراءة والكتابة هي سلاح الإغريق السرّي، وهذا كان هدية لهم من الصَّيْدن، وعلى العكس من الصيدن الذين كانوا أرباب التجارة في العالم القديم من بين مجتمعات كثيرة متعلّمة في الشرق الأوسط، فإنّ الإغريق استعملوا معرفتهم بالقراءة والكتابة في تسجيل تراثهم الثقافي الذي كان في بدايته حصيلة المعرفة الإنسانية بين سكّان العالم آنذاك، لا سيّما سكان الشمال الإفريقي ووادي الرافدين، والمقدرة على قراءة اللغة اليونانية جلب في أعقابه سلسلة من الأعمال الأصيلة التي تميّزت بها الحضارة الإغريقية فيما بعد، أمّا من الناحية الدينية فإنّ الإغريق كانوا الأكثر تخلّفا من بين كل المجتمعات الوثنية التي كانت تُحيط بهم، والتوحيد الذي عرفته بعض الشعوب الشرقية لا يُمكن أبدا أن يُقارن بالوثنية الإغريقية، وبقصص الحبّ والمجون بين العائلة المؤلّهة على جبل الألمب.

أمّا الرومان فلا يمكن أبدا اعتبارهم مؤسّسي حضارة عالمية حتّى وإن اكتسحوا مناطق واسعة من العالم القديم، فما جاؤوا به ليس إلاّ تقليدا ممسوخا للحضارة الإغريقية، تميّز بأجهزة عسكرية مدمّرة، والعدل الروماني «الشهير» كان عدلا للرومانيين وحدهم، فالفئة المختارة التي كانت على رأس روما لم تر مطلقا أن عنفهم وظلمهم للآخرين كان انحطاطا، لذلك كان انقراض العاهِلية الرومانية سريعا، والذي نتج عن هجرات الهون والقوط، وكان انقراضها نهائيا وتامّا في قرن واحد، ولم يبق منها سوى بضعة معالم من الأدب والبناء. لأنّها لم تُبن على الفكرة، بل انتشرت بالقوّة والقهر، فقد اقتضى اتّساعها الإراضي ونضجها السياسي ألف عام، كانت فكرتها التي تقوم عليها الاجتياح بالقوّة واستغلال الآخرين للوطن الروماني، لذلك كان انقراضها سريعا، وهذا الذي ستشهده أيضا العاهلية الأمريكية في العصر الحديث التي قامت على القاعدة الحضارية نفسها. في المقابل تعطينا الحضارة الإسلامية مثالا عن الحضارة التي تقوم على الفكرة، لذلك بلغت العاهلية الإسلامية أشدّها في مدّة وجيزة قاربت الثمانين عاما فحسب، وهي المدّة المناسبة لينتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية بالكلمة والفكرة. أمّا الغزوات الخارجية التي تعرّضت لها العاهِلية الإسلامية من بدايتها إلى غزو التتر المغول التي كانت أعنف من جميع ما خبرته العاهِلية الرومانية، فإنّها لم تستطع أن تهزّ شيئا من النظام الاجتماعي ولا الحياة السياسية في دولة الخلفاء، وإن كان قد ساعدت على الركود الثقافي فيما بعد، وفي مقابل القرن الواحد، كان يلزم أكثر من ألف ومئتي سنة حتّى يتمّ الانهيار السياسي نهائيا الذي تمثّل في إلغاء الخلافة الإسلامية. هذا هو الفرق بين ما يُبنى بالقوة وقذائف المنجنيق والغزو، وبين ما يُبنى بالعقول النيّرة التي تقدح ومبادئ الدعوة الإسلامية.

العالمية الإسلامية الأولى

إنّ الرسل كلهم الذين أتى الله على ذكرهم في القرآن الكريم من قبل الرسول عليه الصلاة والسلام قد بُعثوا إلى أقوامهم بخطاب حصري اصطفائي، بدءًا من نوح وقومه ثمّ هود الذي أُرسل إلى عاد وصالح مع قومه ثمود، ثم يستمرّ هذا النوع من الخطاب إلى إبراهيم وذريّته من بني إسرائيل. وبمجيء الرسول عليه الصلاة والسلام خُتِم هذا الخطاب الاصطفائي وأُطلِق الخطاب الإلهي العالمي للبشرية كلّها «قُل يا أيها الناس إنّي رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلاّ هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمّي الذي يؤمن بالله وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون». الأعراف 158. وقد بدأ هذا الخطاب العالمي من الأرض الحرام موطن البشرية الأوّل، وبالأمّيين الذين لم يُنزّل عليهم كتاب من قبل، ثمّ امتدّ هذا الخطاب أفقيا إلى الأميّين من غير العرب، «هو الذي بعث في الأمّيين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويُعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3)» الجمعة. وقد لحقوا بهم في خلال قرن من التحاق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى. لذلك انحصر اِنتشار الإسلام أوّل مرّة في الأمّيين من العرب ثمّ توسّع ليضمّ الأمّيين من غير العرب الذين يعبدون الأصنام والدهريين ما بين المحيطين الأطلسي غربا والهادي شرقا في الوسط من العالم. لم تشمل هذه الفترة الأمّية استيعاب الكتابيين من نصارى ويهود، وقد قضى الله بذلك في قوله تعالى: «ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آيةٍ ما تبعوا قِبْلتك وما أنت بتابعٍ قبلتهم وما بعضهم بتابِع قِبْلة بعضٍ ولئن اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العِلم إنّك إذا لمن الظالمين». البقرة (145). نفي تام لاتّباع أهل الكتاب قبلة المسلمين، حتّى وإنّ جاءهم الرسول عليه الصلاة والسلام بكلّ آيات الأنبياء، كما أنّ الرسول والمسلمين ما هم بتابعي قبلة أهل الكتاب، وما يدخل تحت القبلة من تشريع وغيره.

ثمّ جاءت العاهلية العثمانية في آخر المطاف والتي دامت زهاء خمسمئة سنة، واعتبر ظهورها الحلقة الأخيرة من الحضارة الإسلامية، فقد شملت شرق البحر المتوسّط برّمته، من مطلع القرن السادس عشر الميلادي إلى القرن العشرين، كما حكمت شمال إفريقيا، ومصر، والقوقاز ما بين البحر الأسود وبحر قزوين، إضافة إلى شبه جزيرة القرم والمناطق المحيطة بها، وكامل الشرق الأدنى إلى حدود إيران، وحكمت كذلك البلقان، بما فيها اليونان، وصربيا، وكرواتيا، وبلغاريا، ورومانيا، وأجزاء من هنغاريا الحديثة. ظهرت الدولة العثمانية كتلة عسكرية ضخمة في تقدّمها نحو أوروبا. ربّما ظنّ زعماء بلدان إسبانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، والعاهلية الرومانية المقدّسة بأنّهم جبابرة، ولكن ضد العثمانيين بالكاد أمكن تصنيفهم بأنهم أقزام. وبالكاد تمكّنت الأساطيل الإيطالية، وفرسان إسبانيا، وفرنسا، وجنود المشاة في هنغاريا، وبولونيا، والنمسا، وبروسيا من تجنّب الهزيمة الكاملة. ثمّ تدريجيا فقد العثمانيون مزيتهم النسبية، وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي عكس ملوك أوروبا دفّة الأحداث، وحتّى ذلك الحين تقلّصت العاهلية العثمانية لكنّها لم تنهر. وخلافا للكثير من مناطق أخرى من العالم، لم تُحتلّ الدولة العثمانية أو يحكمها الأوروبيون على الإطلاق. ظهر العثمانيون في ثنايا ردّ الفعل الإسلامي إزاء أوروبا الآخذة في التوسّع في شرقي البحر المتوسّط خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، واستطاعوا وقف توغّل البرتغاليين في البحار العربية، وبسطوا حمايتهم على الأقطار العربية ضد الأطماع الاستعمارية الأوروبية، ويكفي دلالة على ذلك أنّه بمجرّد انهيار الكيان العثماني تمزّق الوطن العربي بين براثن الاستعمار الأوروبي، الذي استولى على أقطاره الواحد تلو الآخر. على الرغم من كلّ هذا فإنّ الأتراك العثمانيين لم ينجبوا في تاريخهم الطويل عالما وحدا، من مثل البيروني أو ابن الهيثم أو ابن سينا أو ابن رشد، أو ابن البيطار، أو ابن خلدون، أو من أمثالهم الذين ظهروا في الفترة الإسلامية أو في الفترة المقابلة لها وهي الفترة الأوروبية، باستثناء المِعْمار الكبير «سنان». ولم يكن لهم أي تطوّر علمي وصِنْعيائي واضح إلا ما استعاروه من بعض الصناعات الأوروبية عن طريق التقليد والنقل، ويمكن اعتبار فترة العطاء وقيادة العالم فكريا تبدأ من ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، وانتهاء بموت ابن رشد في القرن الثاني عشر، أي طيلة خمسة قرون، ابن خلدون الذي ظهر في القرن الرابع عشر الميلادي لا يمكن اعتباره خارج مرحلة الإنتاج والتفاعل والعطاء الحضاري، يعتبر فقط فكرة نضجت متأخّرة.

العالمية الأوروبية

يتساءل الكثير من الباحثين العرب عن سبب الانتكاسة التي أصابت الحضارة الإسلامية في آخر المطاف، فالمسلمون كانوا على أعتاب دخول عصر النهضة أو كانوا على عتبة الحداثة الأوروبية، التي تتمثّل فيما تحقّق على أيدي كوبرنيكس، وكيبلر وديكارت وغاليليو. ربّما يكون الجواب: انهارت الحضارة الإسلامية بعد أن استهلكت طاقتها التاريخية الممكنة في حدود الزمان والمكان التاريخيين، لذلك لم يعد في الإمكان المزيد من العطاء الحضاري. ولكن هل لنا أن نطرح السؤال بصيغة أخرى؟ كيف ظهرت الحضارة في أوروبا ومجتمعاتها همجية ومتخلّفة إلى أبعد الحدود؟ والجواب يشبه ما قاله بيير روسي عن الحضارة الإسلامية، وهو: «إذا كانت أوروبا قد شهدت عصر النهضة والإصلاح في القرن السادس عشر الميلادي، ثمّ الثورة العلمية على يدي غاليليو وديكارت ونيوتن وكيبلر وأمثالهم في القرن السابع عشر الميلادي، وإذا كانت فلسفة التنوير، ثمّ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، فإنّها لم تكن أبدا إنتاج مجتمعات همجية وأمّية متخلّفة ارتقت فجأة على نحو صاروخي، بل لإنّها تشرّبت حضارةً مهيبةً أعطتها فكرا نقديا وعقلانيا ومنهجا علميا مكّناها من دخول عصر الأنوار، هذه القبائل ساقها من الجهل والتخلّف إلى الحضارة والرقي أساتذة عظام، داست بلادَهم الخيولُ الوحشية كما داست من قبل دجلة والفرات».

عاش الناس في أوروبا أوضاعا مزرية خلال القرون الوسطى، فقد كان النظام الإقطاعي يسحقهم، والكوارث الطبيعية تخيفهم، وتدمّر محاصيلهم، وكانوا عرضة للأوبئة، لا سيما الطاعون، الذي يحصدهم حصدا فيترك القرى خالية من البشر تقريبا، كما أنّ الأمان الروحي لم يكن مضمونا على الرغم من صلواتهم وابتهالاتهم وأعمالهم الخيرية، وكان الناس يؤمنون كثيرا بالخرافات، وتسيطر عليهم العقلية الأسطورية، إلاّ أنّ العقلانية ابتدأت تدبّ في أوروبا منذ القرن الثاني عشر الميلادي، إثر الغزو الفكري العربي للواقع المسيحي الذي أثار فيه أزمة تثاقف حقيقية، وبلغت العقلانية قمّتها في القرن الثالث عشر الميلادي، واستمرّت في التصاعد أثناء القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وصولا إلى مشارف عصر النهضة في القرن السادس عشر، بعدئذ ابتدأ الفكر العقلاني يدخل إلى الساحة الأوروبية بتأثير من الحضارة الإسلامية، وقد رافق دخول العقلانية الفلسفية ظهور الجامعات لأوّل مرّة، وتطوّر المدن، ونمو حركة تجارية واقتصادية، فقد تأسّست جامعة السوربون في باريس في القرن الثالث عشر، وكذلك جامعة أوكسفورد في إنكلترا، وجامعة بولونيا في إيطاليا، وتأسّست مراكز لترجمة العلوم الإسلامية ونقلها في طليطلة، وبرشلونة، وصقلية، والبندقية،... ثمّ جاء الحصاد الأكبر في العصور التالية، وسط الفرح وبهجة الشمس، في عزّ تألّق القرنين السابع عشر والثامن عشر. لم يكن التأثير الإسلامي على أوروبا من خلال الترجمة فقط، بل كان العنصر الأهمّ هو العنصر البشري، حيث نزحت آلاف مؤلّفة من الأندلسيين إلى أوروبا بعد أن استولت قشتالة الكاثوليكية على مدنهم، وأخرجتهم من ديارهم، فدخلوا في صلب التكوين الاجتماعي للمجتمعات الأوروبية لا سيّما المجتمع الفرنسي، ومنهم أخذت أوروبا منهجيتها التجريبية في العلوم، وزوّدوها بالأدوات النقدية التحليلية لنقد التراث الديني المسيحي وتحليله، بل هؤلاء هم الذين أحدثوا تلك التغيّرات الجذرية في البنية الفكرية الغربية، بما كانوا يحملونه من ثقافة إسلامية وفكر مستنير، ويكفي دليلا على ذلك أنّ لقب وليام شكسبير William Shakespeare الكاتب المرموق الذي ما زالت بريطانيا تفتخر به إلى اليوم هو «إسحاق السيّار» ishak es(p)eare، وأن لقب تاتشر Thatcher الذي حملته السياسية البريطانية مارغريت تاتشر هو «تاجر» thatger في العربية.

يقول ألان دو ليبيرا: «كانت ردة الفعل المعاكسة على الانتصار الإسباني هي إثارة أكبر حركة تثاقف شهدها العالم الغربي الناطق باللاتينية، فخلال بضعة عقود من السنين فقط راحت تتدفّق على أوروبا الشمالية أجزاء كبيرة من الثقافة الفلسفية التي كانت قد تراكمت في أرض الإسلام منذ قرون عديدة. وكانت صدمة اللقاء (أو التثاقف) ذات عنف استثنائي، لكأنّ التاريخ قد انشطر إلى شطرين: ما قبل التثاقف مع العرب وما بعده. وأصبح أرسطو متوافرا كلّيا في اللغة اللاتينية، وقد سبقه ابن سينا ببضعة أعوام فقط، ورافقه ابن رشد، وخلال ثلاثين سنة راح المسيحيون الناطقون باللاتينية يجدون أنفسهم مضطرّين لاستيعاب ما كان العرب قد أمضوا في جمعه مدّة قرون! وهكذا راحت حركة الدراسات ومراكز الترجمة والبحوث تنتقل من العالم العربي- الإسلامي إلى أوروبا الغربية. لقد انتهى عهد بغداد وقرطبة، وابتدأ عهد باريس وأكسفورد وبولونيا وبادوا». لم يجد نابليون حينما وحّد أوروبا وأصبح اسمه نابليون الأوّل عاهِل فرنسا وملك إيطاليا وحامي «كونفدرالية» الراين، قانونا يُسيِّر به هذه القارّة وينظّمها سوى الفقه الإسلامي المتمثّل في الفقه المالكي، فقد وجد مدوّنات من الأحكام والنظم القانونية مبوبّة ومفهرسة ومحفوظة وجاهزة للتطبيق، تشتمل على ميراث ضخم من الدراسات القانونية بُنيت على مدى قرون طويلة تجاوزت ألف سنة، وقد احتوت على كلّ ما تعلّق بجوانب الحياة الإنسانية، وضمّت كلّ صغيرة وكبيرة، ما وقع فعلا وما هو محتمل الوقوع، وهذا الذي كان يبحث عنه نابليون بالذات ليحكم عاهِلية كبيرة مترامية الأطراف تضمّ شعوبا كثيرة مختلفة الأعراق، وهذه القوانين الإسلامية هي التي أصبحت معروفة بالقوانين النابليونية، وقد جعل نابليون استعمال النظام المتري إجباريا ومن يخالفه يتعرّض للعقاب الجنائي، وبيّنت قواعد الاستفان أنّ كلمات مثل «المتر» و«اللتر» و«الغرام» كلّها كلمات عربية.

تأسّست أمريكا على أيدي المهاجرين، كما تأسّست العلوم التي ازدهرت في هذه البلاد من لفيف من العلماء الكبار الذي جاؤوا إليها من كلّ حدب وصوب منهم «نيكولا تيسلا» العملاق الفذّ الذي قل له نظير، وهو صربي هاجر إلى أمريكا سنة 1884م، ودفع ظهور النازية إلى هجرة العلم الأوروبي إلى أمريكا، حيث هاجر العديد من العلماء الكبار بما فيهم ألبرت أينشتاين وإنريكو فيرمي، كما أن تطوير مشروع مانهاتن للأسلحة النووية الذي وضع أمريكا في الصدارة كقوّة عسكرية مهيمنة، كان أساسا مشروعا ألمانيا، ثمّ إنّ أكبر علماء الاجتماع في الثلاثينيات من القرن الماضي، هم أعضاء المدرسة النقدية الذين أسّسوا معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت، أمثال: أدرنو وماكس هوركهايمر وماركيوس وفروم لونثال، وهؤلاء هم الذين هاجروا إلى أمريكا هروبا من النازية، ونقلوا أعمالهم إلى جامعة كولمبيا، وقد استطاع مؤسّسو هذه المدرسة من غرس أفكارهم في التربة الأمريكية، وما يزال تأثير هذه المدرسة محسوسا حتّى بعد وفاة جميع مؤسّسيها. كما ازدهرت الحِتاكة في أوروبا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، لا سيما الصخرياء حيث بلغ فيها الألمان شأوا بعيدا، وذهب الحتاكيون الأمريكيون إلى ألمانيا للتتلمذ على أيدي العلماء الألمان. على سبيل المثال، درست فلورنس باسكوم، وهي أول امرأة توظفها هيئة المسح الحِتاكي الأمريكية، مع فيكتور غولدشميت في هايدلبرغ بألمانيا، وعادت لتقديم مساهمات كبيرة في الدراسة الوليدة للصخور في أمريكا. وإذا كانت أمريكا قد سبقت اليوم أوروبا في الكشوف العلمية والاختراعات، فلأنّ العلماء في أوربا كانوا ينيرون الشموع في الظلام، بينما العلماء في أمريكا لا يكادون يبصرون في الشمس الساطعة.

يقول في هذا الشأن محمّد أبو القاسم حاج حمد: «المجتمع الأمريكي كما هو السوفياتي لا يُعطيان نماذج العمق الحضاري المركزي للعالم كما هو في أوروبا الغربية بالذات... أوروبا ما زالت وستبقى تعبّر عن المركزية الحضارية في عالم اليوم، على الرغم من انتقال مراكز الثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري إلى قطبين عالميين شرقا الاتحاد السوفياتي (الصين اليوم) وغربا إلى الولايات المتّحدة الأمريكية... لا يرجع السبب في بقاء مركزية أوروبا الحضارية على المستوى العالمي إلى التاريخ فقط، ولكن إلى طبيعة الحضارة أيضا، وهذا هو العامل الأهمّ... فتطوّر المحورين السوفياتي والأمريكي قد تمّ وفق آلية ميكانيكية كمّية بأكثر ممّا تمّ وفق إنضاج حضاري لذاكرة الإنسان وتمثّلاته الوجودية، فالعِلْم في أوروبا قد امتزج بالحياة وقدرة الاتصال الإنساني بالوجود منذ عصر التنوير الإنساني البرجوازي، أمّا الاتحاد السوفياتي والمجتمع الأمريكي، فلم يأخذا عن أوروبا سوى الحصان الحديدي، الذي ركباه بطاقة الدفع النووي، فموسيقى الجاز لا علاقة لها ببتهوفن أو شوبيرت، وكلّ الفرق الموسيقية في كلّ الولايات المتّحدة لا تعدل وترا واحدا في شوارع فيينّا القديمة... إنّ الفرق بين الحضارة وبين الركام الهائل من المنجزات المادّية المتراكمة في الاتحاد السوفياتي والولايات المتّحدة، هو الفرق بين إنسان يولد من خلال الإبداع كما في أوروبا، وإنسان يأخذ بنتائج الإبداع لتحقيق تراكم استهلاكي».

يمكن التأكيد على أنّ أمريكا برزت كدولة قوية متفرّدة بالسيطرة العسكرية والاقتصادية بعد الحرب الأممية الثانية، أي في منتصف القرن العشرين من القرن الماضي، إلاّ أنّ أمريكا ستظلّ دولة قوية لا سيّما من الناحية العسكرية إلى حدود الخمسين سنة القادمة، فهي كما يقول عنها «أوسكار وايلد» أستاذ الإناسة: «الدولة الوحيدة، التي سوف تنتقل من البربرية إلى الانحلال من دون أن تمرّ على الحضارة»، إلاّ أنّ هناك مؤشّرا قويا جدّا، يدل ظهوره على النهاية الفعلية لأمريكا من كلّ النواحي، وهذا المؤشّر هو إنهاء عربدة اليهود الصهاينة في فلسطين من لدن القوّة الإسلامية الناشئة، فأمريكا ليست مختطفة فقط من الصهيونية العالمية كما يقول جون ميرسهايمر وصديقه ستفن وولت، بل مستعبدة أيضا، فقد قال رونالد ريغن، الرئيس الأمريكي الراحل: «إنّ أمريكا مستعدّة أن تخوض حربا عالمية ثالثة من أجل إسرائيل». فإذا أدركت أمريكا التي تمتلك من القوّة العسكرية ما لا نظير لها في التاريخ أنّها عاجزة عن حماية إسرائيل، ساعتها فقط نستطيع القول إنّ أمريكا قد انتهت اقتصاديا وعسكريا وكلّ شيء، وسيكون شأنها بعد ذلك كشأن السلفادور اليوم، فالثقل الحضاري يكون قد عاد مرّة أخرى إلى منطقة البحر المتوسّط وإلى المسلمين بالتحديد. إنّ أهمية أوروبا للعالمية الإسلامية القادمة كبيرة جدّا، ليس اليوم ولكن بعد زوال إسرائيل وتحرّر أوروبا من الهيمنة الصهيونية، لأنّ دعمها المطلق للقتلة المجرمين هو نقطة ضعفها الأخلاقي أمام العالم، وتعود طبيعة هذه الأهمّية للإنسان الأوروبي نفسه، فهذا الإنسان هو الذي تفاعل مع العالمية الإسلامية الأولى، وهو الذي سيتفاعل أيضا مع العالمية الإسلامية الثانية، ولكن هذه المرّة في ظلّ الهدى ودين الحقّ، وسيجتمع إنسان العالميات الثلاثة لينشئ العالمية الأخيرة التي لم ولن تشهد لها الإنسانية نظيرا.

الجاهلية الثانية أو المرحلة الثَّبَجِية

انتهت العالمية الإسلامية الأولى بسقوط الخلافة، وجاءت بعدها جاهلية ذكر القرآن الكريم ما يُقابلها في قوله تعالى: «وقَرْن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى»، الأحزاب، 33. وهي الجاهلية التي سبقت ظهور الإسلام، لذلك اُعتبرت هذه المرحلة التي دخلها العالم الإسلامي اليوم بالجاهلية الثانية. لم يخرج الإسلام من قيادة العالم فحسب، بل انتهى دوره أيضا في أن يكون مرجعا للمسلمين في حياتهم العامّة وفي شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سقطت الخلافة الإسلامية فتاه المسلمون أكثر ممّا تاه اليهود في الأرض بعد أن تمرّدوا على حكم نبي الله موسى عليه السلام، كلّنا يعلم أنّ ارتباطنا بالإسلام في القرون الأخيرة كان سطحيا وإلى أبعد الحدود، وأنّ المجتمع المسلم في الزمن الأخير من الخلافة الإسلامية أصبح لا يمثّل الوجه المشرق للمبادئ الإسلامية، ولكن كما يقول محمّد أسد: «مهما كانت انحرافاتها عن الطريق الذي بيّنه القرآن والمثال النبوي فإنّ حضارتنا المعيبة المتدهورة كانت تُقرّ ولو صوريا بسيادة الإسلام بوصفه العنصر الهادي لوجودنا، وقد أتاح هذا الإقرار ومازال منطلقا لتصحيح أخطاء الماضي والعودة إلى المنهج الإسلامي الصحيح». كلّ الدول التي ظهرت في التاريخ الإسلامي إلى سقوط الخلافة كانت دولا صحيحة الإسلام، فقد أورثها الله تعالى الكتاب، بعد أن رفع النبوّة، قال تعالى: «ثمّ أورثنا الكتابَ الذين اصطفَينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير» فاطر، 32. لذلك اعتبرت كلّ الحكومات في العالم الإسلامي اليوم التي تركت الحكم بكتاب الله حكومات جاهلية وكافرة، كما قرّر ذلك أيضا سيّد قطب، فالله لا يقبل إلا الإسلام، ويسمّي الرسول عليه الصلاة والسلام هذه المرحلة بالثبَج، في قوله: «خيار أمتي أولها وآخرها، وبين ذلك ثَبَج أعوج ليس مني ولست منه». ويمكن إجمال مميّزات هذه المرحلة الجاهلية أو الثبجية في:

(1)- البحث عن بديل حضاري خارج الإسلام لأوّل مرّة، وهي البدائل الوضعية؛ (2)- تمزّق الكيان الإسلامي؛ (3)- الارتداد إلى الأصول الحضارية القديمة التي ميّزت الجاهلية الأولى، كالأصل العربي، والفرعوني، والبربري، والطوراني؛ والسواحلي، والمالاوي، والفارسي، الخ؛ (4)- التمايز بين العربي وغير العربي وأصبح لكلّ إقليم إسلامي شخصيته القومية الخاصّة به، ولكلّ بلد عربي شخصيته القطرية؛ (5)- قيام دولة يهودية ثانية في فلسطين، كما قضى الله تعالى بذلك في سورة الإسراء، فأمدّهم بأموال من كلّ البلدان الغربية وبنين، حيث تدفّق عليهم لفيف المهاجرين من أرجاء كثيرة في العالم، وتعتبر هذه العودة المظهر الأكثر وضوحا في انتهاء دورة تاريخية كاملة للحضارة الإسلامية.

الاختراق والانتشار

اعتمدت العالمية اليونانية ومعها الرومانية في توسّعها الإراضي على القوّة العسكرية، أي عن طريق الاختراق، لذلك اندثرت الحضارة اليونانية الرومانية وزالت سريعا ولم تترك إلاّ معالم ضئيلة من الأدب والبناء، والشيء نفسه فعلته العالمية الأوروبية، يقول جون بول سارتر: «إنّ الاستعمار لم يكن محض مصادفة، ولم يكن وليد آلاف المشروعات الفردية، وإنّما هو نظام أقيم زهاء منتصف القرن التاسع عشر، وبدأ يؤتي أكله زهاء عام 1880م، ودخل في طور التصدّع والإنهيار في أعقاب الحرب الأممية الأولى وهو اليوم يرتدّ بالوبال على المستعمرين»، فنتيجة لضغط الثورة الصناعية والقوى الرأسمالية التجارية الباحثة عن الأسواق الاستهلاكية والمواد الخام، انطلقت أوربا مكتسحة العالم على شكل استعمار استيطاني أو استعمار انتدابي، وزرعت داخل كلّ المجتمعات التي سيطرت عليها في العالم نواة الثقافة الأوروبية، محطّمة في الوقت نفسه كل الأطر الاجتماعية والثقافية والحضارية للمجتمعات القديمة التقليدية، وتبعا لطبيعة العلاقة بين البلد المقهور وأروبا وفعّالية هذه العلاقة، كان يتحدّد حجم هذه النواة وقوّتها، ولهذا ظهر التأثير الأوروبي في مصر بشكل مبكّر، وفي الجزائر بفعّالية أكثر، قياسا إلى باقي المجتمعات العربية الأخرى، أمّا في بقية دول العالم التي تقع في الهامش فقد أنشأت أطرا جديدة تماثلها كنماذج أوّلية في شكل أنوية داخل هذه المجتمعات، ثمّ تطوّرت هذه الأنوية في أحشاء المجتمعات التقليدية حتّى أصبح من العسير جدّا تمييز الملامح القديمة من بين الملامح الجديدة، حيث غلب التطبّع الطبع خلافا للقاعدة، وأصبحت التنمية مترادفة للتغريب والسياسة هي الليبيرالية والاقتصاد هو الرأسمالية. وفي العقود الأخيرة أحاطت الحضارة الأوروبية بتفرّعاتها في العالم الشمالي الصناعي المتقّدم بالمجتمعات التقليدية كلّها في العالم، فارضة عليه النظام الكوكبي، وأصبح العالم قرية كبيرة ممنهجة على مستوى قضايا الحرب والسلم، وعلى مستوى التجارة والاقتصاد والإعلام والثقافة، بل يكاد العالم يصل اليوم إلى الوحدة اللغوية. أمّا العالمية الإسلامية فقد اعتمدت على انتشار الفكرة، أي أنّ المدّ الإسلامي يصل حيث تصل فكرته، من أجل ذلك لم تستطع أوروبا أن تقضي على الإسلام كفكرة تحملها الشعوب الإسلامية وتتطلّع إلى تحقيقها، بينما استطاعت أن تقضي عليه في السياسة وفي الاقتصاد وفي العلاقات الدولية، وفي التشريع، وانحصر دوره في المسجد وإلى حدّ ما في الأحوال الشخصية، ودخل العالم الإسلامي كلّه من جرّاء ذلك في مرحلة جاهلية ثانية، مع وجود دولة صهيونية في قلب العالم العربي، محدثة شرخا كبيرا فيه.

الاستيعاب والتجاوز

كثيرون لا يميّزون بين البعث الحضاري وقانون التدافع الذي يحدث داخل الحضارات نفسها، فالصراع الذي احتدم في الحرب الباردة بين الكتلة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي سابقا، والكتلة الغربية الأكثر ثراء والأكثر «امبريالية» أيضا بقيادة الولايات المتّحدة ليس من قبيل الصراع الحضاري بل هو تدافع طبيعي، فالفكر الشيوعي الماركسي الذي تبنّاه الاتحاد السوفيتي هو فكر أوروبي محضّ، بالقيم المادّية نفسها التي تسيطر على المجتمعات الغربية. وحينما يتحدّث الغربيون عن بقاء حضارتهم فإنّهم يعنون بذلك بقاء تفوقّهم العسكري لحماية مصالحهم من المنافسين الجدد، بعبارة أخرى بقاء هيمنتهم العسكرية على الشعوب لنهبها وإذلالها. وهذا ليس هو الحضارة، وعندما يتحدّث الساسة وعلماء الاقتصاد وأصحاب الفكر عن الصعود الصيني أو القرن الصيني إنّما يريدون به صعود القوّة العسكرية والاقتصادية للصين، وليس هذا هو الحضارة أيضا، فالحضارة تبدأ حينما تنشأ القطيعة المعرفية مع الأنساق الفكرية القديمة، مثلما يقول «غاستون باشلار» عالِم المنهجية وناقد العلوم، أو كما يبيّن «كوهن» في «بنية الثورات العلمية»، أنّ التقدّم الفكري مرتبط بإزاحة نموذج معرفي قديم لم يعد قادرا على تفسير حقائق جديدة، وإحلال نموذج آخر جديد محلّه، يستطيع أن يُعطي تفسيرات لتلك الحقائق ترضي العقل والإيمان أيضا إذا أمكن. فالنموذج الصيني لا يمكن أن يحلّ محل الحضارة الغربية، وكي نفهم الأمر علينا أن نسأل، ماذا يمكن أن تقدّمه الصين للعالم؟، نموذج سياسي شمولي استبدادي يمثّل التبلور النهائي للفكر الشيوعي المادّي، دولة تُضحِّي بكلّ شيء لصالح القوة السياسية، إنسان صيني محطّم من صنف «الزومبي» في الأقلدة المخالية، حكومة تسعى إلى إلغاء كلّ حرّية فردية أو كرامة إنسانية، مجتمع يعاني استلابا مزدوجا، استلاب النظرة المادية للإنسان، واستلاب الحزب الشيوعي وطبقته، إنّها النسخة الثانية المعدّلة والمُحيّنة updated للشيوعية السوفياتية السابقة.

كما أنّه لا يوجد أي شخص يرغب اليوم في أن يتبنّى المنظومة القيمية الصينية، لأنّ الاختراق الغربي للمجتمعات كلّها خلال التوسّع الاستعماري في القارّات الأربعة بما فيها المجتمع الصيني، قد فتّت كلّ الأنساق الفكرية والحضارية القديمة، وما بقي منها لدى الصينيين لا يمكن أبدا أن يأخذ صبغة عالمية، لذلك لا نجد في الفكر السياسي مصطلحا يُسمّى «تصيين العالم»، في حين نجد مصطلحات من قبيل «تغريب العالم» و«أسلمة العالم». فالنظريات الاقتصادية للتنمية والتحديث تكاد تكون كلّها نظريات غربية، ثمّ إنّ التنظيم الاقتصادي ومستوى الحياة في الغرب هما المعيار الذي على أساسه تقاس التنمية والتخلّف، والتنمية اليوم مساوية للتغريب، فلا يمكن أن تكون من دون رأس المال والتصنيع وقوّة العمل والسوق الحرّة، وكذلك العلاقات بين رأس المال والعمال التي تتميّز بالطابع المؤسّسي، فالإنسان بوصفه حيوانا اقتصاديا كما يقول «فلوريان كولماس» Florian Coulmas «يُعتبر أوروبي الأصل، وترسّم خطى نجاحه من دون تبنّي بعض خصائصه المميزّة قد ثبت أنّه أمر صعب، ما لم يكن مستحيلا»، والواقع أن هذا ما قدّمته الحضارة الغربية للعالم، أي التقدّم الصنعيائي والتطوّر المادّي، وهذا ما أخذته عن الحضارة الإسلامية، حيث استوعبت التطوّر العلمي الذي حدث في العالم الإسلامي والمناهج الفلسفية الإسلامية المرتبطة فقط بجدلية «الإنسان» و«الطبيعة»، ثمّ تجاوزته إلى مجالات أرحب، فالصينيون لا يستطيعون تعديل النظام العالمي القائم، ولا إعادة تشكيله، ولا يستطيعون أن يُعطوا نموذجا آخر يمكن أن يستوعب النموذج الغربي للتحديث ويتجاوزه في الوقت نفسه، زيادة على ذلك فإنّ الصين تقع في الأطراف البعيدة جدّا عن مناطق التأثير الحضاري.

إنّ الذي يستطيع أن يفعل ذلك هو الإسلام، لأنّ ركيزته الأساسية هي الجدليات الثلاثة كما يقول محمد أبو القاسم حاج حمد: «الغيب» و«الإنسان» و«الطبيعة»، أما التقدّم الصنعيائي، فما هو إلاّ جانب واحد من جوانب الحضارة الإسلامية، فالاستيعاب والتجاوز هما خصيصة من خصائص الإسلام. لقد استرجع القرآن الكريم كلّ الموروث الديني للبشرية، استرجعه بالتصحيح والنقد والاستيعاب والهيمنة. لذلك ستستوعب الحضارة الإسلامية القادمة كلّ التراث العلمي والفكري المرتبط بجدلية الإنسان والطبيعة الموجود في الحضارة الغربية ثمّ تتجاوزه بعد ربطه بجدلية الغيب، لينشأ إنسان العالمية الإسلامية الثانية، إنسان يستخرج بركات الله من أرض الله ويؤدّي رسالة الله. إنّ استغناء الحضارة الغربية عن البعد الغيبي هو الذي أورثها المفاضلة بين الأعراق وصراع الطبقات والبقاء للأصلح، وسيطرة المفاهيم المادّية على المناهج العلمية والعلاقات الاجتماعية والدولية. والمسار الذي سلكته الحضارة الغربية نحو الوضعية المادية كان أمرا محتوما لا مفرّ منه، لقد سار اللاهوت المسيحي مع العقل الأوروبي إلى عصر التنوير، إلاّ أنه لم يستطع الترقّي معه، واكتشف الأوروبي أنّه أكثر تطوّرا من ذلك البشر الإله، فتجاوزه، واكتشف أنّ مدينة العلم في الأرض أرقى بكثير من مدينة المسيح، وقد حاول الكثير من العلماء والفلاسفة الغربيين التوفيق بين الإيمان المسيحي وحقائق العلم الثابتة، إلاّ أنّ محاولاتهم باءت بالفشل، ومن هؤلاء عالم النفس الفرنسي «بيار جانيه» Pierre Janet (توفي سنة 1947م)، كتب يقول: «كنت أحلم بتحقيق مصالحة بين العلم والدين، والوحدة يجب أن تتم عن طريق فلسفة متكاملة تُرضي العقل والإيمان. لم أتمكن من تحقيق هذه المعجزة، غير أنّي بقيت فيلسوفا».

الغيب في التاريخ

لقد اختلف العلماء في تفسير اتساع الفتوحات الإسلامية أوّل مرّة ففي خلال ثمانين سنة امتدّ الإسلام من شبه الجزيرة الإيبيرية حتّى البنجاب وآسيا الوسطى. وقد خلُص المؤرّخون المعاصرون إلى ثلاث نظريات أساسية. الأولى: أنّ الحروب المتواصلة بين القُوى المسيطرة على العالم القديم وهي فارس وبوزنطة قد أوهنتهم وأوصلتهم إلى طريق مسدود ومضنٍ وباهظ التكاليف على مدى قرون عديدة، الثانية: أنّ المظالم العديدة والمتراكمة لقرون بسبب سياسات مستهجنة دينيا واقتصاديا والتي عانى منها سكّان المشرق من حكّامهم دفعهم إلى السعي من أجل استبدالهم بحكّام آخرين أحسن خُلقا ومعاملة، لا سيّما أنّ هذه الأراضي المفتوحة كان يسكنها عروبيون مسيحيون ويهود يتحدّثون الآرامية في سوريا البوزنطية، والثالثة الأخيرة: هي تفوّق العرب عسكريا على الجيوش الساسانية والبوزنطية ومعرفتهم بأساليب الحرب لدى الطرفين، علاوة على ذلك، قدرتهم على التقهقر إلى الصحراء على صهوات خيولهم كلّما دعتهم الضرورة لذلك. ليست هذه هي المُعضِّلة الوحيدة المقترنة بالإسلام والتي احتار العلماء في شأنها، ما زالت بداية التاريخ العربي نفسه تقف متحدّية كلّ أنواع التحليل غير الغيبي، ومازال توقّف انتشار الإسلام على حدود جبال «البرت» بعيدا عن الفهم والاستيعاب أيضا، وبقيت هذه المُعَضِّلات لا تُدرك إلاّ بالمنهجية القرآنية المعرفية.

القراءة في تاريخ العرب خارج إطار القرآن الكريم تبيّن أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام استطاع بعبقريته الفذّة من توحيد العرب ثمّ دفع بهم خارج الجزيرة العربية، وقد تمكّنوا في مدّة وجيزة من إنشاء عاهِلية كبيرة، ولكن التحليل العلمي الوضعي يصطدم بخصوصية الواقع العربي وشروطه الموضوعية التي لا تسمح بذلك الخروج، بمعنى أنّ العلم إزاء ظاهرة تحقّقت فعلا على الرغم من غياب شروطها الموضوعية. إنّ القراءة المعرفية والمنهجية من دلالات النصّ القرآني هي التي تبيّن لنا الكيفية التي انتشر بها الإسلام حتّى وصل الأندلس، كما تُبيّن لنا أيضا لماذا لم يتجاوز الإسلام حدود الأندلس ويعبر جبال «البرت» إلى الدول الشمالية. الواقع العربي قبل الإسلام لم يكن ليُنتج الإسلام أو حتّى التطلّع إلى نوع من الاتحاد القومي، وأكثر ما أنتجه واقعهم هو مجتمع بدوي ظلّت قبائله تتطاحن في حروب سلب ونهب لسنين طويلة، إلاّ أنّ الله جلّ وعز نسخ التجربة الإسرائلية بالعرب حين بعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ولم يستطع الرسول عليه الصلاة والسلام أن يؤلّف بين القبائل العربية الصحراوية، إلاّ بتدخّل الغيب في هذا الشأن إلاّ أنّه لم يتجاوز بالعرب حدود التأليف وهو أقل مرتبة من التوحيد، وذلك بترك جدل الواقع التاريخي والاجتماعي يأخذ صيرورته الموضوعية «لو أنفقت ما في الأرض جميعا، ما ألّفت بين قلوبهم، ولكنّ الله ألّف بينهم، إنّه عزيز حكيم». الأنفال، 63.

كذلك انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية، فقد كان هذا الانتشار مطوّقا بالغيب ولم ينبعث من الواقع الموضوعي بشكل صرف، نجد ذلك في قوله تعالى: «ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظلّ ولو شاء لجعله ساكنا ثمّ جعلنا الشمس عليه دليلا (45) ثمّ قبضناه إلينا قبْضا يسيرا (46)» الفرقان. أي أنّ الله هو الذي مدّ ظلّ الإسلام ولو شاء لجعله ساكنا في الجزيرة العربية لا يبرحها ولا يتجاوز العربَ إلى غيرهم، ثمّ إنّ هذا الظلّ سيغطّي الأرض كلّها في المرحلة الثانية كما تُغطي الشمس بأشعتها الأرض وستصبح هي نفسها دليلا عليه، وهذا ما يقرّره الله تعالى في آيات أخرى حيث يقول في سورة الفتح: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه وكفى بالله شهيدا». 28، وأيضا ما ورد في سورة الصفّ: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون (9)». إذن لم تكن القبائل العربية قادرة على أن تتمدّد على هذه الأصقاع الكبيرة من دون أن تذوب وتضمحل، والقول بالفتح العربي لمناطق الأمّيين بحدّ السيف فيه تجنّ كبير، على واقع العرب أنفسهم وواقع الأراضي التي زعموا فتحها وواقع الشعوب التي زعموا انكسارها وانخذالها، وبهذه الطريقة نفسها سينتشر الإسلام في المرحلة الشمسية مطوّقا بالغيب ليعمّ الأرض كلّها وتنشأ العالمية الإسلامية الثانية، ونحن اليوم نشهد بداياتها. أمّا الفتوحات الإسلامية فلم تكن سوى التشذيب الأخير للعمليات التي أحدثها الإسلام من قبل، ولم يزد عمل الفاتحين الأوائل على أن وحدّوا جهود الشعوب التي أسلمت ونظّموا صفوفها لطرد البوزنطيين الذين ذهبوا ملعونين أدراج التاريخ.

يُرجع الغربيون وأمثالهم من الذين لا يقرأون التاريخ بالقرآن الكريم، توقّف انتشار الإسلام في حدود الأندلس إلى شارل مارتيل (توفي في 03-12-123) الذي أوقف تقدّم العرب في أوروبا، بعضهم كان يرى أنّ قوّة الفتح أعطت أقصى ما يمكن أن تعطيه، وأنّ تلك الجيوش الغازية تناقصت قوّتها بفعل أتساع الأراضي المفتوحة، كما رأى بعضهم أنّ انتشار الإسلام كان أوّل مرّة بواسطة العرب وبعيرهم، لذلك كانت فتوحات العرب لمعظم المناطق القاحلة وشبه القاحلة في العالم القديم أمرا طبيعيا، إلاّ أنّ الظروف المناخية هي التي وضعت حدّا أمامهم في أوروبا، فالظروف الجوّية الرطبة هي التي كانت عائقا فعّالا أمام تقدّم الإسلام أكثر من الجيوش المحلّية للبلاد.

المعروف أنّ كلّ البلدان التي دخلها الإسلام كانت وثنية، وكانت الكنيسة في أوروبا تُطلق على المسلمين أوّل مرّة اسم الوثنيين، كما اعتقدت أنّ الإسلام ما هو إلاّ وثنية الأندلسيين والمغاربة، وكان أهل المغرب والأندلس شعبا واحدا يتألّف من المغاربة والإيبيريين والبربر والصَّيْدن الذين كانوا جميعا يدعون بعلا ويذرون أحسن الخالقين، هؤلاء هم الذين صرف الله أفئدتهم إلى الإسلام، «هو الذي بعث في الأمّيين رسولا منهم يتلو عليهم آياتِه ويزكّيهم ويعلّمهم الكتابَ والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين». الجمعة، 2. لذلك لم تتجاوز الفتوحات الإسلامية حدود جبال البرت لتصل إلى المسيحيين في الشمال، لأنّ الفتوحات الإسلامية كانت تتمدّد في مَحاط إراضي استقبل الإسلام قبل أن يستقبل الفاتحين، وتوقّفت هذه الفتوحات عند حدود انتشار الإسلام أوّل مرّة. أمّا المسيحيون في الشمال فلم تشملهم دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك لم يُسلموا، فالله جلّ وعزّ قرّر من أوّل يوم أنّ هذه المرحلة من مدّ الظلّ لن تستوعب أهل الكتاب، لذلك لم يتجاوز الإسلام حدود الأمّيين الطبيعية عند جبال البرت في الأندلس، بينما امتدّ في الجهة الشرقية إلى إندونيسيا والصين، «ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آيةٍ ما تبعوا قِبْلتك وما أنت بتابعٍ قبلتهم وما بعضهم بتابِع قِبْلة بعضٍ ولئن اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العِلم إنّك إذا لمن الظالمين». البقرة (145) وقد ظلّ دائما هناك تواجد مسيحي ويهودي في كلّ أراضي الأمّيين، كان هؤلاء المسيحيون يسمون في أرض الأندلس باسم mozarabe بمعنى ماش عرب moz arabe، لأنّهم من بقايا الجيوش البوزنطية المسيحية، ولن يستوعبهم الإسلام إلاّ في المرحلة الثانية من العالمية الإسلامية.

العالمية الإسلامية الثانية

يقسم الله جلّ وعز في بداية سورة الطور بمراحل التطوّر التاريخي والتدريجي للخطاب الإلهي الموجّه إلى البشرية، ومآله ومآل البشرية بعد ذلك، من خلال قرينة مكانية تُناسبها، يقول جلّ وعز: «والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رَقّ منشور (3) والبيت المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إنّ عذابك ربّك لواقع (7)». الطور. أقسم الله بجبل الطور وهو المكان الذي كلّم الله فيه موسى تكليما في إشارة لما أُنزل على موسى من تشريع لبني إسرائيل، ثمّ أقسم بكتاب مسطور وهو الإنجيل الذي جاء به عيسى بن مريم عليهما السلام وهي مرحلة ضرورية جاءت لدمج بني إسرائيل في دين جديد سينسخ دينهم، إلاّ أنّ عيسى عليه السلام جوبه بالرفض والصدود والنكران، ورُفع عليه السلام وسط مؤامرة كبيرة لقتله والتخلّص من دينه وشريعته، ثم اُضطهد أتباعه من بعده وتواروا عن الأنظار حاملين معهم الإنجيل الذي لم يستطيعوا أن ينشئوا به مجتمعا ربّانيا فبقي في أيديهم حِبرا على رَقّ، ولم يُتجاوَز تطبيق ما فيه أكثر من أن ينشرونه ليتبرّكوا بقراءته، لذلك لم يأت الله بقرينة مكانية لهذه المرحلة عكس المرحلة السابقة والمرحلة اللاحقة وقد ذكره كتابا نكرة من دون تعريف، حتّى في سورة التين، فإنّ المرحلة المرتبطة بعيسى عليه السلام لم يقرنها الله جلّ وعزّ بمكان معيّن عكس طور سينين والبلد الأمين، إنّما نسبها إلى التين والزيتون، وهي ثمار اُشتهرت بها فلسطين وتوجد في غيرها ثمّ إنّها سريعة البِلى تماما ما حدث لدين عيسى عليه السلام.

ثمّ يُقسم المولى تبارك وتعالى بالبيت المعمور وهو البيت العتيق في مكّة المكرّمة حيث نزل القرآن أوّل مرّة وأمتدّ الإسلام ليضمّ كلّ الشعوب الأمّية مكوّنا بذلك العالمية الإسلامية الأولى، أو عالمية البيت المعمور، ومن دون هيمنة على الشعوب الكتابية حتّى هذه اللحظة، ثمّ يُتبع الله قسمه بالبيت المعمور قسَما آخر وهو السقف المرفوع في إشارة إلى العالمية الإسلامية الثانية، أو عالمية السقف المرفوع، وهي مرحلة ظهور الهدى ودين الحقّ على الدين كلّه، فالسقف المرفوع يقابله السقف الخارّ «فأتى الله بنيانَهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيثُ لا يشعرون». النحل 26. أمّا السقف المرفوع فهو الذي يمتدّ تحته ظلّ الإسلام ليطبّق الآفاق ويبلغ مبلغ نور الشمس، وهذه المرحلة هي امتداد للرسالة الخاتمة في زمان غير زمانها الأول ومكان آخر غير مكانها بحكم الصيرورة التاريخية والفكرية والحضارية والاجتماعية، إنّها ليست رسالة ثانية فجماعة المسلمين لا يتميّز بعضها عن بعض بداية من ظهور الإسلام إلى خروج الدابّة، إلاّ أنّ أحكامها ستتغيّر عن الأولى، حيث يتمّ فيها استيعاب كلّ الحضارات بمعرفة أنساقها واستيعاب كافّة مناهجها المعرفية وإدراك دلالاتها في إطار ثوابت قيمية، والاتّجاه نحو عالمية بديلة عن الحضارة الأوروبية التي أورثت العالم صراعات مريرة ومدمّرة.

أمّا «البحر المسجور» فيدلّ على نهاية العالم، فالبحر المسجور، هو المختلط، وفي القرآن الكريم قوله تعالى: «وإذا البحار سُجّرت»، التكوير، 6. أي أفضى بعضها إلى بعض فصارت بحرا واحدا، ويحدث ذلك حينما ينعكس دوران الأرض فتشرق الشمس من مغربها، وهذا هو آخر الآيات التي يمكن أن يراها الإنسان على كوكب الأرض، وإلى هذا يشير قوله تعالى: «يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا» الأنعام، 158، لأنّ البشرية ستنقرض بعد هذه الآية، فتطغى البحار والمحيطات على القارّات، وتضرب العواصف والرياح، يحدث ذلك كلّه بفعل قوّة العَطالة أو القصور الذاتي inertia، وتنخلع القارّات من جذورها وتُدكّ الجبال، فتخرج الحمم ويتدفّق المُهل ليعمّ سطح الأرض، وهذه الحمم المتدفّقة هي يأجوج ومأجوج، في قوله تعالى: «حتّى إذا فُتِحت يأجوج ومأجوج وهم من كلّ حدب ينسلون» الأنبياء، 96. والحدب البراكين، وينسلون يخرجون من الأرض، كقوله تعالى: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون، يس، 51. ويختلّ النظام الكوني، فتأسر الشمسُ القمرَ وتبتلعه «وجُمع الشمس والقمر» القيامة، 9، وكذلك عُطارد والزهرة، بينما تصبح الأرض كوكبا منفلتا rogue planet، تسير في الفضاء إلى حيث يكون البعث والنشور، «وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب» الزمر، 69. يدلّ هذا على أن العالمية الإسلامية الثانية هي الأخيرة في العالميات كلّها على الأرض، وأن الحضارة تصل إلى أقصى مداها. وفي هذه المرحلة سيفعِّل العقل البشري أقصى قدراته، وتجتمع البشرية كلّها في ظلّ الهدى ودين الحقّ لتصنع حضارة عظيمة، كما أنّ الأرض ستُخرِج بركاتها وتُنزل السماءُ رحماتها، وستصل البشرية إلى اكتشاف أسرار الطاقة والتحكّم في سلطانها وإلى السّفر بين الكواكب، وسيلتقي أبناء آدم بمخلوقات أخرى عاقلة وغير عاقلة كان الله تعالى قد بثّها في السماوات «وهو على جمعهم إذا يشاء قدير». الشورى 29، كلّ ذلك ممّا يعدنا به ربّنا من آلائه جلّ وعزّ، «يا معشر الجن والإنسِ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34)». الرحمن.

منطقة البعث الإسلامي الجديد

أزمتنا الحالية هي أزمة فكرية بالأساس، فالإنسان في أوروبا مستلب اجتماعيا وطبقيا، والإنسان في العالم العربي، ليس مستلبا اجتماعيا ولا طبقيا، لكنّه مستلب فكريا وسياسيا، لذلك فإنّ طاقة التحرّر ستكون كبيرة جدّا. هناك معركة حامية الوطيس بين الحداثيين والعلمانيين والأصوليين والحركات الإخوانية، فالحداثيون يريدون نفي الدين، ويرون أنّ التقدّم مرهون بالتخلّي عن خرافاته والسير على نهج أوروبا وتبنّي مناهجها المعرفية وأصولها الفكرية، والعلمانيون يريدون أن يمنعوا الدين من أن يدخل في السياسة والاقتصاد ولا يريدون له أن يتجاوز عتبة المسجد، والأصوليون يريدون لنا أن نصل إلى محاكم التحقيق وأحكام الردّة والتكفير، والحركات الإخوانية حركات تلفيقية، لم تستطع أن تستوعب مجتمعاتها وتريد أن تستوعب العالم، ومع هؤلاء حركات جهادية تقتل البرّ والفاجر، وتزرع الترويع في كلّ مكان، يقول الناس عنها: ليس هذا هو الإسلام، ولكن كيف؟ وفوق هؤلاء جِبَرية عسكرية تطحن الجميع، وفساد إداري حكومي أكل الأخضر واليابس، فنحن بين «الاستبداد» من فوق و«التشرذم والضياع» من تحت. وحولنا جميعا يسيطر نظام عالمي امبريالي متصهين، يعيق كلّ حركة للتحرر من الاستبداد السياسي والخروج من الحالة المزرية التي نعيشها، ويعيدنا دائما إلى وضع أسوأ، ثمّ تمدّد شيعي في العالم العربي متحالف مع قوى استعمارية قديمة، يحمل أنساقا فكرية ومذهبية نشأت في مجتمعات بدوية ورعوية قديمة متخلّفة، كما أنّ الاستبداد السياسي أدخل الدول العربية تحت الوصاية الاستعمارية من جديد، حيث عاد الاستعمار مرّة أخرى ومعه الصهيونية إلى بلداننا وبطلب منّا، بعد أن خاضت شعوبنا حروبا طاحنة على ضعفها وفقرها من أجل التحرّر والانعتاق. في هذه الأجواء القاتمة ستقوم العالمية الإسلامية الثانية.

يجب أن نعرف شيئا، وهو أنّ الله لم يخرج من التاريخ، وأنّه وحده جلّ شأنه القادر على أن يبعث من في القبور، لقد مرّت على العالم الإسلامي ظروف أحلك من التي نعيشها اليوم، حتّى قيل: انتهى الإسلام والعالم الإسلامي، ثمّ استعاد عافيته مرّة أخرى وعاد بقوة حتّى قيل: لن يقف شيء أمام الإسلام. أوروبا ذاتها التي كانت تعيش في الجهل والظلام رفع الله من شأنها حتّى استولت على العالم أجمع، حينما بعث الله موسى إلى قومه، قالوا له: «أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا» فقال لهم موسى وهو يستشفّ أستار الغيوب «عسى ربّكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون». الأعراف 129، إنّه القانون نفسه الذي يحكم في طول الزمن، إنّ هذه القبائل الأوروبية المتخلّفة هي التي استخلفها الله في الأرض لينظر كيف تعمل، فكما يُمكّن الله جلّ وعزّ للأفراد في هذه الدنيا ليرى أعمالهم، يمكّن كذلك الأمم ليرى أعمالها، قال تعالى: «وترى كلَّ أمة جاثية كلُّ أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون» الجاثية 28. هذا القانون هو الذي تدخّل عندما جاءت قبائل الأوس والخزرج لمبايعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك حينما أطبقت عليه قريش وهو في مكّة ولم يبق له سوى زمن يسير لينتهي أمره وتنقرض رسالته، ثمّ ليتغيّر التاريخ بعد هذه المبايعة، وتجري الأمور على نحو يجعل أوروبا تشهد الثورة العلمية على يدي غاليليو وديكارت ونيوتن وكيبلر في القرن السابع عشر الميلادي، ثمّ تدخل عصر الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر الميلادي.

انتهت اليوم الحضارة الغربية بظهور الولايات المتّحدة الأمريكية، وهذه الأخيرة هي نفسها في تراجع، وقد أدركت إسرائيل هذه الحقيقة لذلك شرعت في تطوير «لوبي» صهيوني في الصين، ظنّا منها أن المستقبل يعمل لصالحها، تماما مثلما فعلت قبل مئة عام، حين شرعت في نقل مركز ثقل «اللوبي» من أوروبا إلى الولايات المتحدة الصاعدة كقوة رائدة في العالم. وقد أعطى الله الغربيين ما لم يعط أحدا من العالمين، لا سيّما أمريكا، أعطاها القدرة على أن تكتب على قطعة من الورق كلمة دولار لتتحوّل هذه القطعة إلى ذهب، ثمّ تطمع بعد ذلك أن يزيدها الله!، كلاّ، إنّها كانت لآيات الله عنيدة، ولن يورثها الله ما بقي من فضل، لأنّه الأعظم والأخطر، فلا يمكن أن تنشأ دولة فَوْقَمِية إلاّ إذا كانت سترضي الله وتؤدّي رسالة الله، إنّ مصدر الخطر الوحيد الذي يهدّد العالم اليوم هو أمريكا، فتحذير قادة الولايات المتّحدة دائما من «عدم الاستقرار على الصعيد الدولي» معناه أنّها على استعداد أن تدخل في حرب كونية من أجل الحفاظ على سيطرتها العسكرية وهيمنتها الاقتصادية على العالم، في حين يؤكّد قادة الصين وروسيا، وحتّى كوريا الشمالية، أنهم لا يريدون أن تقوم علاقات بلادهم مع الولايات المتّحدة على الصراع، بل على التعاون والاحترام المتبادل. كثيرة هي الدول التي امتلكت السلاح النووي، إلاّ أنّ أمريكا هي الوحيدة التي استعملته، وهي الدولة الوحيدة المستعدّة لاستعماله مرّة أخرى. ما زال الأمريكيون يعتقدون أنّ تفجير القنابل النووية في اليابان كان عملا بطوليا، دائما ما يردّد المؤرّخون الأمريكيون على مسامع العالم ويرددّ معهم الإعلاميون والآخرون الحمقى: أن استعمال القنبلة النووية في الحرب الأممية الثانية أدّى إلى نهاية الحرب، وقد أكّد الرئيس الأمريكي جورج بوش ومُشدِّدا على رفضه الاعتذار عن كل الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن استعمال أمريكا للسلاح النووي، وأصر أن الانفجارين كانا ضروريين لوضع نهاية للحرب الأممية الثانية، وكذلك كتب أحد الكيمياويين الأمريكيين قائلا: «في حالة الحرب الأممية الثانية، سرعان ما قاد اكتشاف الانشطار النووي، من لدن ميتنر ومشاركيها أيضا، إلى تطوير نَهْجل (برنامج) الأسلحة النووية وإنهاء الحرب». إنّ تطوير نهجل الأسلحة النووية لم يتسبب في إبادة الآلاف من الشعب الياباني، وتدمير مدينتين كبيرتين عن بكرة أبيهما، بل كان إنجازا عظيما فقد أنهى الحرب، نعم، هذه هي «إمبريالية المقولات» التي تحوّل الأنذال إلى أبطال مُتوَّجين. لم يكن أبدا من الضروري إلقاء القنابل النووية على اليابان لتتوقّف الحرب، لقد سبقتها الحرب الأممية الأولى وانتهت من دون الحاجة إلى استعمال مثل هذه القنابل، ثمّ إنّ الحرب كانت على وشك الانتهاء فعلا، ولكن حسب هذا المنطق الأعوج سيعمّ السلامُ الأرضَ بأسرها وإلى الأبد إذا قضينا على الجنس البشري كلّه.

إذا كانت حضارتنا قد سقطت، فإنّها ستعود مرّة أخرى، وعد الله لا يخلف الله وعده، لم يخرجها الله من أيدينا إلاّ ليعيدها لنا أنضج وأكمل، يقول الشيخ محمّد الغزالي: «نحن نعتقد أنّ المستقبل لنا لا علينا، وأنّ حُكمنا الذي انهار سيقوم مرّة أخرى شامخا عزيزا، وأنّ اليهود الذين يعربدون في منطقتنا ولهم على حكّام العرب صولة، ستخمد نارهم وتذوب دولتهم، وأنّ المدّ الصليبي والشيوعي والوثني ستتبدّد قُواه، ويعقبه جَزْر عميق... نعم فللإسلام جولة أخرى لا تقوم الساعة إلاّ وقد بلغت مداه ورفعت سناه». ستبدأ العالمية الإسلامية الثانية في بلد يكون نقطة ارتكاز ومركز جذب، والذي يجب أنّ تتحقّق فيه ثلاثة شروط، (1) أن يكون مطلاّ على البحر المتوسّط، لأنّ الأنساق الحضارية للمتوسط هي التي تأخذ دائما بعدا عالميا. (2) أن يكون دولة عربية، لأنّ الله تعالى يقول: «وكذلك أنزلناه حكما عربيا» الرعد، 37، ويقول أيضا: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» البقرة، 143، فالمراد بالوسط الموقع الإراضي، لأنّ الشهادة تتطلّب الحضور، والحضور مرتبط بالمكان، والعرب هم المكلّفون بمهمة الشهادة على الناس فلا يمكن أن تخرج لغيرهم، من أجل ذلك احتلّوا هذا الوسط من العالم بين المحيطين، ومن هنا أيضا كان الخطر كبيرا على العرب، أكبر من الخطر الذي واجهته كلّ الحضارات الأخرى. يقول محمد أبو القاسم حاج حمد: «فالعربي هو وِعاء التجربة القرآنية المنهجية في آفاقها العالمية الجديدة، ومقوّمات وجوده القومية هي مقوّماتها وامتدادات الإسلام في إفريقيا وآسيا هي امتداداته» لذلك سيتحرّك الغيب كما كان لنا وبنا طوال تاريخنا الطويل. (3) أن لا يكون مستنفدا حضاريا، فحينما يقول تعالى: «وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» محمد، 38، يدلّ ذلك على أن التولّي حادث لا محالة وأن الاستبدال سيحصل بعده بالضرورة، لأن القرآن يستعمل «إن» حرف شرط جازم يفيد التحقيق، فالمشرق العربي اُستنفد حضاريا، إنّ المنطقة الإراضية التي يمكن أن تستوعب العالمية الإسلامية الثانية ستكون حسب هذه الشروط هي منطقة المغرب العربي، ولله المشرق والمغرب. لأنّ الثقل الحضاري انزاح من المنطقة الشرقية للبحر المتوسّط حيث الحضارات التقليدية من العالم القديم إلى الجهة الغربية حيث الاستقطاب العالمي، إنّ الذي أزاحه عن المشرق هو النهوض الأوروبي الأخير، بمعنى أنّ البلد الذي سيتسلّم قيادة العالم يجب أن يكون في الجهة المقابلة لأوروبا وقريبا منها، وأن تكون له القدرة على استيعاب كامل الحضارة الغربية، أي في الضفّة الجنوبية الغربية من حوض البحر المتوسّط، ثمّ إنّ المغرب العربي هو الذي تفاعل في عالميته الأولى مع أوروبا، في حين تفاعل المشرق مع آسيا. المناطق المستنفدة حضاريا هي الضفّة الشمالية الشرقية من البحر المتوسّط، استنفدتها الحضارة اليونانية، الضفّة الجنوبية الشرقية، استنفدتها العالمية الإسلامية الأولى، الضفّة الشمالية الغربية استنفدتها العالمية الأوروبية، بقيت الضفّة الجنوبية الغربية لم تستنفد لهذا الوقت، وسيكون نصيبها من العالمية هو الأوفر، لأنّ البشرية تجاوزت الخصوصيات الإقليمية، ودخلت مرحلة الدمج الحضاري، فالعالم أصبح قرية كبيرة، ويسير بخطى سريعة إلى الوحدة اللغوية أيضا، العالمية القادمة مضطّرة أن تستوعب العالم كلّه أو لا تكون.

ربّما يرى بعضهم أنّ تركيا اليوم تحاول بقيادة رجب طيّب أردوغان إحياء الخلافة الإسلامية أو جزءا منها، كما أنّ محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة على أردوغان كانت بتدبير أمريكا وبغطائها، سعيا منها لتنصيب «فتح الله غولن» خليفة للمسلمين، وحكم العالم الإسلامي من ورائه، إلاّ أنّ قيام خلافة إسلامية في تركيا بعيد المنال، لأسباب تعود إلى طبيعة الحكم في تركيا، وإلى طبيعة الشعب التركي نفسه، فتغيير النظام الجمهوري يحتاج إلى ثورة سياسية كبيرة ينخرط فيها كلّ الشعب، ثمّ إنّ أردوغان نفسه لا يستطيع أن يغيّره لأنّه محكوم بالدستور والقانون التركي، وقد ورث تركة علمانية ثقيلة وتبعية مطلقة للغرب، فقد ورث 600 معاهدة مع الغرب وحلف الناتو. والأهمّ من كل هذا أنّ الشعب التركي نفسه لا يريد أن يعيد الخلافة الإسلامية، فالقومية متضخّمة عنده جدّا، وما زال إلى اليوم يقدّس مصطفى كمال أتاتورك الذي حادّ الله ورسوله، وينظر إليه نظرة حبّ وإجلال، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجتمع حبّ مصطفى كمال أتاتورك في قلب امرئ مسلم مع حب الله ورسوله، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، كما أنّ الأتراك هم الذين أسقطوا الخلافة الإسلامية وليست بريطانيا ولا فرنسا، وما كان الله ليعيدها لهم بعد أن تولّوا، فاستحالة انبعاث الخلافة الإسلامية مرة أخرى من تركيا قضية محسومة.

إنّ الدولة الوحيدة التي لها حظوظ أكبر في قيام مشروع العالمية الإسلامية الثانية هي الجزائر، إلاّ أنّ الشعوب العربية كلّها معنية بهذه العالمية، فالخطاب القرآني موجه للعرب جميعا، وهذا يشبه العالمية الأوروبية التي ساهمت في إنشائها أغلب الدول أوروبية. والجزائر هي الدولة الوحيدة في المغرب التي تمتلك الإمكانيات البشرية والاقتصادية التي تمكنّها من أداء هذا الدور. في السبعينيات من القرن الماضي، أدركت الدوائر الاستعمارية في الدول الغربية وجود دولتين عربيتين لهما المقدرة على النهوض والتقدّم الصناعي واللحاق بالغرب، وهما الجزائر والعراق، وذلك لامتلاكهما ثروة نفطية كبيرة وثروة بشرية متعلّمة تنافس المنتوج الغربي، أُدخلت العراق في حرب ضروس دامت ثماني سنوات مع إيران، ثمّ تمّ غزوها في نهاية المطاف وصرح أحد وزراء جورج بوش الأرعن أنّ أمريكا ستعيد العراق إلى العصر الحجري، وفعلت وعيدها حينما سلّمتها إلى إيران لتقوم بهذه المَهمّة، ليس حبّا فيها ولكن بغضا في العراق، لأنّها تعلم أنّ إيران ستتصرّف مع العراق بغريزتها الشيعية، وصدق ظنّ أمريكا فيها. أمّا الجزائر فقد أُدخلت في مديونية ساحقة وماحقة حيث وصل سعر برميل النفط في التسعينيات لا سيما في أواخرها إلى مستويات متدنية جدّا، ثمّ قامت الحرب الأهلية في الجزائر بتدبير غربي، وقد طلب الرئيس الفرنسي «فرنسوا ميتران» في ذلك الوقت من جنوده في الجزائر، إثر فوز جبهة الإنقاذ الإسلامية، قائلا لهم: «أوقفوا عني هذا الفلكور»، أمّا اليوم فالجزائر تطوّق من كلّ الجهات، وأصبحت إسرائيل بما لها من نفير في العالم الصليبي في خاصرتها الغربية، وتستعمل كلّ حيلها وما أوتيت من مناهج وضعية لنسفنا في المشرق والمغرب.

قد يرى بعضهم استحالة قيام مشروع إسلامي تحت نظام عسكري جِبَري (دكتاتوري) يسيطر على كلّ هياكل الدولة الجزائرية، وهذا صحيح بعضه فقط، فكلّ الدول التي شهدت ثورات أعقبها حكم عسكري تسلّطي، من روسيا الشيوعية إلى كوبا، وإيران، وكوريا الشمالية وليس انتهاء بإريتريا، والثورة الجزائرية ليست استثناءً من هذه القاعدة، ثمّ إنّ التغيرات التي شهدها العالم العربي في العقد الأخير، قد مرّت بها الجزائر في بداية التسعينيات من القرن الماضي، فالجزائر متجاوزة للدول العربية بزهاء عشرين سنة، كما أنّ السلطة العسكرية القديمة في مرحلتها الأخيرة من الانقراض، والجيش الجزائري يضمّ نخبا عسكرية تدرك جيّدا طبيعة الصراع القائم اليوم في العالم، والمخاطر المحدقة بالجزائر، وستجنّبها حربا أهلية أخرى، وتحافظ في الوقت نفسه على الهياكل الإدارية للدولة الجزائرية، وسيكون التغيير القادم سلميا وتكون فيه كلمة الفصل للشعب الجزائري في تحديد النظام الذي ستعتمده الجزائر في المرحلة القادمة، ونحن على يقين أنّ الشعب الجزائري سيختار الله ورسوله، وأنّ دولته الإسلامية التي أجهضت سيعوضّه الله عنها بعالمية إسلامية ستمتدّ لتصل إلى القطبين، يقول الشيخ محمّد الغزالي عن الشعب الجزائري: «نحن واثقون من أنّ الشعب الجزائري لن يضلّ الطريق ولن يُخطئ الهدف، سيبقى يُقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتشبّث بلغته العربية وأدبه العريق، وسيتغلّب على العقبات التي اعترضته، ويجمع صفوفه لصُنع مستقبل أفضل وأخوة أوثق... والنجاة من المحن تحتاج إلى أمرين صدق الإيمان وصلاح الرأي، واعتقادي أنّ شعب الجزائر الذي عرفناه يتوفّر لديه الأمران معا، وسوف يخرج من الفتن التي تنازعه ليستأنف مسيرته في خدمة الإسلام مع سائر الشعوب الإسلامية التي ترفع راية التوحيد».

مقوّمات الدولة الفوقمية

هناك الكثير من المقوّمات التي يجب أن تتوفّر في الدولة الفوقمية لكي يمكّنها الله جل وعزّ من قيادة العالم، وأهمّ هذه المقوّمات، الحرّية الدينية، والعدل. وهنا يجب التأكيد على الحرّية الدينية وليس التسامح الديني، لأنّ هناك فرقا بينهما، في التسامح الديني يُسمح لك أن تعيش بسلام على الرغم من أنّك تعتنق دينا مخالفا، ولكن لا تستطيع أن تمارس دينك بسلام. حينما سئل «إيمانويل ماكرون» الرئيس الفرنسي عن التضييق الذي تمارسه الحكومة على المسلمين، والقوانين التي جعلت طائفة من الشعب الفرنسي مواطنين من الدرجة الثانية، وقيل له: لماذا لا يحدث هذا في دولة أخرى كبريطانيا؟ أجاب سائله بقوله: إن الوضع مختلف. ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أنّ فرنسا الكاثوليكية التي أبادت مواطنيها البروتستانتيين، على الرغم من إيمانهم بالله وبالإنجيل وبالمسيح كربّ مخلصّ لا يمكن أبدا أن تسمح لغيرهم أن يمارسوا دينهم على أرضها بسلام، لا سيّما إذا كان هذا الدين هو الإسلام، ثمّ هناك أمر آخر، وهو أن المجتمع الغربي تنابذي يعتمد على سيطرة الأقوى، حيث يُسمح لك أن تدعو إلى الله تعالى بما تشاء وكيفما تشاء، ولكن ليس لك أن تتصرّف اقتصاديا واجتماعيا بشكل يتناقض مع مصالح المسيطرين، وكلّ الأشكال الأخرى المغايرة لفلسفتهم وفكرهم الاجتماعي تناقض مصلحتهم بالضرورة. لقد أقرّ الله جلّ وعز سُنّة التدافع بين الأممّ، وذلك لضمان التعدّدية الدينية والتي جعل الله مرجعها إليه وليس إلى قرار من مكّنهم في الأرض «ولولا دفْع اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض لهُدّمت صوامع وبِيَعٌ وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرا»، لذلك فإنّ الاضطهاد الديني أو حتّى الإرهاب الفكري سيوقظ تلك السنّة الربّانية لتعمل عملها، بغض النظر عمّن يقوم به، حتّى وإن كانوا مسلمين. وهذه السنّة تقع ضمن العدالة الربانية، لأنّ الله لا يعذّب أحدا حتى تبلغه رسالة ربّ العالمين. قال تعالى: «ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلاّ من رحم ربّك، ولذلك خلقهم، وتمّت كلمة ربّك لأملأنّ جهنّم من الجِنّة والناس أجمعين» هود، 118- 119. أي أنّ الله خلق الناس ليختلفوا، بعبارة أخرى خلقهم ليأخذوا حريتهم كاملة في الاختيار الأخلاقي، لأن الاختلاف لا ينتج إلاّ من حرية الاختيار، «من كفر فعليه كفره، ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون» الروم، 44، والله جلّ وعزّ هو الذي يدافع عن هذه الحرّية. زيادة على هذا فإنّ الله يريد أن يطير الناس إليه على أجنحة المحبّة لا أن يساقوا إليه بسياط من الرهبة.

من مقوّمات الدولة الفوقمية العدل، إنّ ما جعل الغرب عاجزا على أن يجني ثمرة هذه الدولة على الرغم من توافر لديه كلّ شروطها، أنّ دُوَله إمبريالية كلّها، تجرّ وراءها هلاكا لشعوب ودمارا ألحقته بحضارات، فتراثها الاستعماري القديم أوصد أمامها كلّ الأبواب، ما زالت أوروبا إلى اليوم تفتخر بماضيها الاستعماري وتمجّد خزيها وعارها، ومازالت الحكومات الألمانية المتعاقبة تمارس نازيتها إلى اليوم في الشعب الفلسطيني الأعزل المقهور عن طريق دعمها المطلق للصهاينة. قبل قرن وصف جمال الدين الأفغاني أسلاف هؤلاء الحكام، قائلا: «الكليز (الأنكليز) كأمّة ليس من ينكر أنّها من أرقى الأمم، تعرف معاني العدل، وتعمل بها، ولكن في بلادها مع الكليز أنفسهم، فتنصف المظلوم إذا كان من الكليز، تعلم أنّ الإنسان حقّا للحياة، وهذا الإنسان في عرفهم هو الكلزي، وغيره من البشر ليس بإنسان». لقد تهيأت كلّ الظروف لقيام دولة فوقمية، إلاّ أنّ الغرب ينادي لهذه الدولة في إطار الدعوة إلى التبعية والاستسلام لمركزية أو عالمية الاستحواذ الغربي في إطار ما يعرف «بالنظام العالمي الجديد»، إنّ الدولة الفوقمية التي تنشأ في ظل الهدى ودين الحق تؤمن بأن ربّ المسلمين هو ربّ الأوروبيين ورب الناس كافّة، وهذا من شأنه أن لا يجعلها تستعلي بإلهها، لأنّه إله الجميع. وأنّ البشرية أسرة واحدة، خلقت من نفس واحدة، كلّها من آدم وآدم من تراب، وأنّ الكون كلّه بيت للإنسان لا يحقّ لأحد أن يعيث في أي جزء منه فسادا، أو يجعله ميدانا للدمار والخراب. فهي لا تنطلق من منطلق التحيّز، وإن كنّا نعذر من يتحيّز ضدّنا، لأنّ موروثه التاريخي ونسقه الحضاري ولاهوته الديني، يدفعه لذلك. إذا كان نسق الحضارة الغربية يستند إلى الصراع والاستحواذ بالقوّة القاهرة، فإنّ العالم في الدولة الفوقمية المسلمة هو بيت كبير يستقرّ فيه الإنسان مستمتعا بالسلم والأمن، «يا أيّها الذين آمنوا اُدخلوا في السِّلْم كافّة، ولا تتبّعوا خُطُوات الشيطان إنّه لكم عدو مبين». البقرة، 208. ويدخل تحت نداء يا أيها الذين آمنوا كلّ المؤمنين من المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب.

يجب أن ندرك أمرا آخر في غاية الأهمّية وهو: أن هناك اختلافا بين الشعوب والحكّام، الشعوب هي رأس مال الإسلام، يقول تعالى: «وممن خلقنا أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون»، الأعراف، 181، فالشعوب لا تشنّ الحروب، إنّ الذي يفعل ذلك هو الحكومات، ما كان الاسكندر المقدوني أن يصل في فتوحاته إلى فارس والهند، لو لم يكن له سند من تلك الشعوب المقهورة والمحطّمة التي لقيها في الطريق، فأخلت بينه وبين حكّامها بكل سرور، كما أنّ الفتوحات الإسلامية التي امتدّت من الشرق إلى الغرب، ما هي إلاّ إيمان تلك الشعوب المضطهدة وكفاحها الطويل من أجل الخلاص من نير العبودية التي رزحت تحته قرونا مديدة، يقول بيير روسي: «إذا انتشرت الحضارة العربية في طرفة عين، من جبال البيريني إلى جزر الهند فذلك لأنّها لم تكن سِمة خاصّة لجماعة من أكلة العَضايا تألّهت فجأة. إذا انتشر الإسلام في قارّات واسعة، وإذا عرفت العربية حظّا لم تعرفه أية لغة أخرى، وإذا كانت لغةً لليهودية والمسيحية والإسلام والإلهيات والأسرار والسحريات، فذلك لأنّ حضارة هائلة أكسبتها سلطة تجاوزت ربوات الحجاز، وقد امتثل اليونان والرومان ومعهم الإتروسك لهذه السلطة قبل أن تلحق بهم ممالك الفيزيغوت في الغرب وأمراء الهند. ولهذا السبب نفسه يعسر تصوّر بانتصار اليونان في حروب الميد، أو بغزو الإسكندر لآسيا، كما يعسر تصوّر أي غزو عسكري لإسبانيا من طرف العرب الحجازيين وحدهم». إنّ سلطة الصهيونية العالمية على الشعوب تتمّ عبر الإعلام، إلاّ أنّ وعي الشعوب يزداد يوما بعد يوم، وتدرك أيضا أنّ الذين يقتلون الأطفال والأبرياء المحاصرين في غزّة ويدمرون البيوت ويقصفون بقنابل الفسفور، لا أخلاق لهم، وهؤلاء على استعداد أن يفعلوا أكثر من ذلك بشعوب الدول التي تساندهم إذا أمنوا العقاب، إنّما تتحكّم الصهيونية في العالم الغربي عن طريق حكّامه الذين تقودهم من بطونهم وفروجهم. لذلك يجب أن ندرك أنّ الشعوب هي التي ستأتي بالتغيير.

تعليق

ربّما يعتقد البعض أن ربط العالميات الحضارية بالبحر المتوسّط، يشبه المركزية الأوروبية التي تسلّم بفكرة تفوّق الأوروبيين على سائر الشعوب الأخرى غير الأوروبية، وأنّ معظم الأحداث التاريخية المهمّة أو تلك التي غيّرت مجرى التاريخ، حدثت في أوروبا أو بسبب قوّة دافعة من أوروبا. وما فعلناه سوى أنّنا وسعنا قليلا هذه المركزية، الأمر خلاف ذلك، لأنّ الأوروبيين يعتقدون أن تطوّرهم الحديث نابع أساسا من طبيعة الجنس الأوروبي، من صفة العقل الأوروبي، والروح الأوروبية، والإنسان الغربي، الخ، فلو سكن الأوروبيون جبال الهندكوش، سيخترعون ويتطورون تلقائيا، أي أن العالم مقسّم إلى قطاعين رئيسين، الأوّل هو أوروبا الكبيرة، أو الداخل الذي يخترع ويتقدّم، والثاني هو غير الأوروبي أو الخارج الذي يستقبل الاختراعات التقدمية عن طريق الانتشار. فربط العالميات بالبحر المتوسّط يعود إلى المكان وليس إلى طبيعة الجنس البشري، فالقرآن صريح في تحديد المكان، «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» البقرة، 143، فلو سكن الهنود حوض البحر المتوسّط لكانت النتيجة نفسها، أي أن الأنساق الفكرية والحضارية لسكّان البحر المتوسّط هي التي تأخذ الصبغة العالمية دائما، بغض النظر عن الجنس البشري الذي يسكن هذا المناطق، في حين ان الانساق الأخرى البعيدة عن هذه المنطقة تظل أنساقا حضارية محلّية أو إقليمية. ثمّ إنّ التغيّرات الكبرى تحدثها الديانات وفي القليل النادر الفلسفات، يقول مالك بن نبي: «إن الحضارة وُلدت في ظلّ المعابد»، وقد ارتبط ظهور الديانات الإبراهيمية الكبرى بالضفّة الشرقية للبحر المتوسّط وهي منطقة لا علاقة لها بالجنس الأوروبي، لا سيّما الإسلام، وقد حقّقت هذه الديانات إنتشارا كبيرا في العالم، بخلاف الديانات أو الفلسفات التي ظهرت خارج هذه المنطقة.

مصطلح قريب

مراجع

  • الأزمة الفكرية والحضارية في الواقع العربي الراهن، قضايا إسلامية معاصرة. محمد أبو القاسم حاج حمد، دار الهادي، 2004م. بيروت، لبنان.
  • جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، العالمية الإسلامية الثانية. محمّد أبو القاسم حاج حمد. مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد. دار الهادي، 2004م. بيروت، لبنان.
  • مدخل إلى التنوير الأوروبي، هاشم صالح. دار الطليعة، ورابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى: 2005م. بيروت، لبنان.
  • اللغة والاقتصاد. فلوريان كولماس، ترجمة: أحمد عوض، مراجعة: عبد السلام رضوان، 2000م. ستلة عالم العرفة 263، الكويت.
  • محمّد أسد. هذه شريعتنا _ومقالات أخرى_ نقله إلى العربية شكري مجاهد، 2015م. منتدى العلاقات العربية الدولية. قطر.
  • وطن إيزيس، تاريخ العرب الصحيح. بيير روسي، ترجمة الأستاذ مولود طيّاب، موفم للنشر، الجزائر 2007م.
  • الذين ركبوا في السفينة، مقدمة في الاستفان، الفرنسية والكلزية مثالا. خُضير شعبان. الطبعة الأولى: 1437. ديوان اللغة العربية. الجزائر.
  • جون بول سارتر. عارنا في الجزائر. الدار القومية للطباعة والنشر، طبعة متعوّثة.
  • أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة. الأستاذ الربيز: طه جابر العلواني. المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
  • المجتمع الإسلامي والغرب، الجزء الأوّل. تأليف: هاميلتون غب، وهارولد باون. ترجمة ودراسة الربيز: أحمد إيبش. هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، 2012م.