معجم المصطلحات الكبير
محْضرة خِطاطِية عِراقِية
الخِطاطة

أولّ محضرة خطّية عرفها العالم الإسلامي، ومنها انتشر الخط واشتهر في بلاد فارس وتركيا ومصر وسائر البلاد الإسلامية، فقبيل ذهاب الدولة الأموية وقيام دولة بني العباس (132) كان الخطّ الإسلامي قد بدأت تظهر عليه بوادر الزخرفة والتجويد، فكان قطبة المحرّر أكتب الناس على الأرض بالعربية، وإليه يُعزى اختراع قلم الطومار وقلم الجليل وقلم الثلث والثلثين، وفي خلافة السفّاح أوّل خلفاء بني العبّاس زاد تطوّر الخط على يد رجل من أهل الشام، يُقال له الضحّاك بن عجلان الكاتب فزاد على قطبة، فكان بعده أكتب الخلق، ثمّ كان بعده إسحاق بن حمّاد الكاتب في أيّام خلافة المنصور، ثاني خلفاء بني العبّاس الذي بنى مدينته المدوّرة المشهورة بغداد سنة 145، فزاد إسحاق هذا على الضحّاك، وكان هذان الكاتبان يخطّان الجليل، ثمّ ازدهر عصر المأمون بتلامذة إسحاق بن حمّاد الذين كتبوا الخطوط الأصيلة الموزونة التي لا يقوى عليها أحد إلاّ بالتعليم الشديد، وعدّتها اثنا عشر قلما، وإبراهيم السَّجَزِي (نسبة إلى سجستان على غير قياس) كان أخطّ أهل دهره، أخذ عنه إسحاق الخطّ الجليل، واخترع منه قلما أدقّ منه وسمّاه «الرئاسي» وقيل إنّ الأحول المحرّر استنبط من الثلث والثلثين قلما سمّاه «النصف» وقلما أخفّ من الثلث سمّاه «خفيف الثلث» وأقلاما أخرى مثل «المُسلسل، وغبار الحلبة، وخط المؤامرات وخطّ القصص، والحوائجي» إلاّ أنّ خطّه مع حسنه وبهجته كان غير محكم ولا مُتقن. وكان يُنافسه في عصره وجه النعجة الذي كان مُقدّما في الجليل، وأحمد بن محمد بن حفص المعروف بواقف، كان أجلّ الكتّاب خطّا في الثلث.

ثمّ انتهت جودة الخطّ وتحريره على رأس الثلاثمئة إلى الوزير أبي علي محمد بن مقلة وأخيه عبد الله، فكان ابن مُقلة أوّل من هندس الحروف، ووضع لها قواعد ونسب محدّدة، ثمّ أخذ عن ابن مقلة محمد بن السمسماني، ومحمد بن أسد، وعنهما أخذ الأستاذ أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البوّاب، الذي جمع خطوط ابن مُقلة في النسخ والثلث، وهذّبها ونقّحها وصحّحها وروّجها، فاستقام بفضله أسلوب ابن مقلة في كلّ الوجوه، وهو الذي وضع المقوّمات الفنّية التي كان الخطّ المنسوب لابن مقلة في حاجة إليها، وقد أرسى بذلك قواعد الخطّ الإسلامي، وبقيت قاعدته ثابتة إلى اليوم، ويحقّ أن ندعوه مؤلّف الخطّ المنسوب المنسجم من دون منازع، ولم يصل إلى مرتبته أحد في عصره، حتّى ظهر في القرن السابع عظيم آخر بغدادي هو ياقوت المستعصمي، فجوّد طريقة ابن البوّاب وهذّبها. كان ياقوت خازنا بدار الكتب في المدرسة المستنصرية وقد أفاد ياقوت من دار الكتب هذه كثيرا، فكان يجتمع بالأدباء والعلماء والشعراء والوزراء، فعرفوا فضله وقدّروا فنّه ونال تشجيعهم حتّى بلغ القمّة وتربّع على عرش الخطاطة الإسلامية، فكان النّاس إذا استحسنوا خطّا قالوا: خط ياقوتي، وبرع في تجويد الخطّ كثيرا وهذّب أوضاع الحروف، وحوّر في انكباب واستلقاء بعضها، وأحدث القطّة المحرّفة، فصارت محضرة بغداد الخطية هي السائدة في العالم الإسلامي، حيث سعى الخطّاطون يُقلّدون خطوطه ويمشقون على قاعدته التي ما تزال إلى يومنا هذا تمتاز بخصائصها عن المحضرة العثمانية.

أمّا في العهود المتأخّرة فقد كان في بغداد من اشتهر وعُرف بتجويد الخطّ مثل عبد الباقي القوسي، الذي كتب باب جامع مرجان والخان، وأضرابه كثيرون من أهل بغداد، منهم درويش ياسين في القرن الثاني عشر، كان يُجيد الخطّ بضروبه المختلفة لا سيّما الثلث والنسخ والريحان، وقد تتلمذ على يديه كثيرون توفي سنة 1157، ومن المُجوِّدين الممتهنين محمّد علي الملقّب بصابر، أخذ الخطّ عن عثمان ولم يتأثّر بالقواعد التركية توفي سنة 1372، أخذ عنه الأستاذ هاشم في بادئ الأمر، ومنهم محمّد صبري بن مهدي الهلالي البغدادي الذي كان خطّاطا خاصّا للديوان الملكي، ويجيد كلّ أنواع الخطوط توفي سنة 1371، ثمّ الخطّاط العملاق محمّد هاشم المعروف بالبغدادي، فقد اتّبع قاعدة ياقوت ونفخ فيها نفسا جديدة، فضلا عن القواعد التركية التي كان يجيدها. وقد نبغ في هذه المحضرة خلق كثير من الخطّاطين العظام ليس من السهل استقراؤهم جميعا وربط بعضهم ببعض في نسق تاريخي واحد، فالوثائق الخطّية، والكتابات الموجودة على المحاريب والمساجد والواجهات والألواح الزخرفية تشهد كلّها أنّ الخطّ كان بغداديا صَرْدًا في تطوره وتعليمه ونشره.

مصطلح قريب

مراجع

  • معجم الكتابة. خضير شعبان. الطبعة الأولى، 1419. دار اللسان العربي، الجزائر.
  • مصوّر الخط العربي، ناجي زين الدين المصرّف. الطبعة الثالثة، 1400. مطبوعات المجمع العلمي العراقي ببغداد. دار القلم، بيروت. لبنان.